يستند المطالبون بنزع سلاح «حزب الله» وبسلام ينهي الحروب مع إسرائيل إلى مقدّمات يصعب تجاهلها.
فعلى المستوى الأبسط، أنهكت الحروب لبنان وأمعنت في إضعاف نسيجه الوطنيّ وكان لها إسهامها الضخم في تدمير اقتصاده، قبل إفضائها إلى احتلال جزء من أرضه معرّض للتوسّع. وهكذا بات مُلحّاً عدم الاكتفاء بالخروج من هذه الحرب بل مغادرة كلّ حرب.
ثمّ إنّ توازن القوى بين لبنان وإسرائيل مختلٌّ نوعيّاً، ما لا يتيح للبنانيّين فرض شروط على السلام. وكلّ تأخّر في نزع السلاح يفاقم الاختلال لصالح الإسرائيليّين. أمّا المساعدة الإقليمية والدوليّة التي يعوّل عليها البعض حيال إسرائيل، فأضعف كثيراً من المساعدة التي يحظى بها السلام في صيغته المطروحة بين البلدين. ويُشكّ كثيراً في قبول الدولة العبريّة، بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ما يقلّ عن معاهدة سلام أو ما يعادلها.
إلى هذا فبقاء لبنان محتلاًّ ورافضاً السلامَ مع الدولة العبريّة لا يقدّم أيّة خدمة للفلسطينيّين ممّن تلعب عناصر أخرى، دوليّة وإقليميّة، الدور الحاسم في تقرير مساراتهم. أبعد من هذا، ورغم التعاطف الأخلاقيّ والضميريّ، لم يعد جائزاً للقضيّة الفلسطينيّة، أو أيّة قضيّة، امتلاك حقّ الفيتو على القرارات السياديّة للبنان، أو لأيّ بلد عربيّ.
المشكلة ليست في هذه المقدّمات كنصّ نظريّ، بل في إمكانات تطبيقها. فما يتجاهله الداعون إلى سلوك هذا الطريق هو بالضبط مصاعب سلوكه، وبالتحديد اصطدامه بلبنان كما تمّ التعارف عليه، أي بلد «الوحدة الوطنيّة» و«تعايش الطوائف» والـ«لا غالب ولا مغلوب». وهذا إنّما يعني أحد احتمالين: إمّا إعادة النظر بلبنان نفسه أو المضيّ في التخبّط حيث نحن الآن. وليس بلا دلالة أنّنا بِتنا منذ سنتين ونيّف، أسرى نقاش نعيد حججه ونعلكها، علماً بأنّ النقاش المذكور صار وراءنا، ليس لأنّه حُلّ، بل بالضبط لأنّه لا يُحلّ.
فرئيسا الجمهوريّة والحكومة، ومعهما قائد الجيش، لن يقدموا، في أيّ وقت، على نزع سلاح الحزب. وهذا لا يعود إلى طباع جبانة أو متردّدة، ولا إلى خيارات سياسيّة رديئة، بل يعود بالضبط إلى مواقعهم التمثيليّة على رأس تلك التركيبة التسوويّة التي تصعب مقاربة المشكلة من دون مقاربتها.
فما الذي نجده الآن حين نرسم الملامح العريضة للوضع اللبنانيّ؟
هناك هزيمة ماحقة لم تدفع بيئة «حزب الله» إلى الانفكاك عنه على نحو وازن وملحوظ. فإذا قلنا بفرضيّة الحرب الأهليّة، والتي يستحيل ألَّا يتدخّل فيها الإسرائيليّون، كان محرجاً جدّاً للسلميّين القتال إلى جانبهم في مواجهة لبنانيّين آخرين. وحتّى لو استبعدنا فرضيّة الحرب الأهليّة، فالمؤكّد أنّ محيطاً عريضاً سيرى في السلام المطروح مكافأة على فعل شبه إباديّ حلّ به، ويرى في نظام ما بعد السلام امتداداً لسلام كريه. وقد يقال بحقّ إنّ هذه المقاربة الرفضيّة لا تحلّ مشكلة، بل تثبّتنا فيها، لكنْ متى كانت الحسبة العقلانيّة الباردة هي ما يُعتَمَد حلاًّ لمشكلات كهذه أو حسماً لتنازع الخيارات الكبرى؟
ولا يصعب الافتراض أنّ سطوة إيران على الحزب ستُبقيه دوماً في أشدّ المواقع معاندةً للواقع. وقد يقال، في المقابل، إنّ سقوط النظام الإيرانيّ يسرّع انفكاك بيئة الحزب عنه. لكنّ هذا، رغم صحّته، لا يكفي تذليلاً لمرارات يؤجّجها تأويل السلام انتصاراً لطرف أهليّ يُحسَب عدوّاً، سيّما وأنّ الأخير مُفرط في التعبير عن أنّ ذاك السلام يساوي انتصاره الذاتيّ. وهو، في هذا، لا يخطئ: ذاك أنّ السلام مصادقة على نظرته التاريخيّة الرافضة أن يكون لبنان منطلقاً لحرب ضدّ إسرائيل، أخاضتها «منظّمة التحرير الفلسطينيّة» أم خاضها «حزب الله». وهو أيضاً مصادقة على منح الأولويّة المطلقة للدولة الوطنيّة واعتباراتها، لا لاعتبارات «الأخوّة القوميّة والدينيّة» عابرة الحدود.
وهكذا سيبدو السلام ترجمة لسيناريو أهليّ منتصر مقابل سيناريو أهليّ مهزوم. وهذا إنّما يجعل المساواة بين رفض سلاح الحزب، حتّى لو توسّع هذا الرفض، وبين القبول بسلام مع إسرائيل، مساواة وهميّة ورغبويّة، ما دام أنّ المسألة ستُترجم إلى علاقات قوّة وتغلّبٍ بين الطوائف.
والراهن أنّ قطاعات عريضة من اللبنانيّين ترى في السلام مع إسرائيل ما يتعارض مع عاطفتها وتربيتها، بل حتّى مع لغتها الآليّة والتلقائيّة، وهذا دون أن يكون هناك طرف عربيّ يدفع اللبنانيّين في هذا الاتّجاه، بينما يضاعف السلوك الإسرائيليّ حيال سوريّة ما بعد الأسد مخاوف المتخوّفين وشكوكهم.
وما يجعل السلام أشدّ مضاضة على كثيرين اعتبارات يستحيل تجاهلها، يتصدّرها شخص نتنياهو الذي ترقى لديه الحرب المفتوحة إلى برنامج سياسيّ دائم، ناهيك عن خلوّ «الاتّفاق الإطار» من تعبير «انسحاب» يلي نزع سلاح الحزب، والاستعاضة عنه بعبارة «إعادة الانتشار التدريجيّ خارج الأراضي اللبنانيّة».
حيال هذا التباين العريض يستحيل طرح مسألة الخروج من الحرب دون مساءلة الاجتماع الوطنيّ القائم. فالسنوات الثلاث الماضية امتحنت بقوّة وقسوة إجماعاً بالغ الهشاشة تمعن مقاومة الحزب في تدميره، ويمعن تفاؤل المتفائلين بالحلول السهلة في لفّه بورق الهدايا المزركش.

