سارا القرني
كان الإنسان قديمًا يحتاج إلى سنوات حتى يُقال عنه كاتب، وإلى موهبة وصوت وتدريب حتى يُقال عنه مطرب، وإلى خيال طويل وصبر أطول حتى يضع اسمه على غلاف كتاب.
أما اليوم، فالأمر أبسط بكثير.
بضع كلمات تكتبها في خانة صغيرة، وانتظار لا يتجاوز ثواني، ثم تخرج منها كاتبًا، ومؤلفًا، وشاعرًا، وملحنًا، ومصممًا، وربما مخرجًا أيضًا!
لهذا أعتقد أننا مدينون بجزيل الشكر للذكاء الاصطناعي؛ فقد نجح في تحقيق المساواة بين المواهب بطريقة لم ينجح فيها أحد من قبل.
من لا يعرف كيف يبدأ مقالًا، سيكتب له البداية والنهاية وما بينهما. ومن لم تسعفه مخيلته يومًا بحكاية، يستطيع أن يطلب رواية كاملة بشخصياتها وحواراتها وأحداثها. ومن لا يملك صوتًا يصلح للغناء، هناك من سيهذبه ويعدله ويصنع منه ما لم تستطع حنجرته أن تصنعه.
حتى الصور والمقاطع التي نشاهدها لم نعد نعرف على وجه اليقين أيها حدث فعلًا، وأيها لم يحدث إلا داخل عقل آلة.
وأمام هذا السيل، بدأ سؤال الموهبة نفسه يفقد وضوحه.
فإذا كان الجميع يستطيعون الكتابة، فمن الكاتب؟
وإذا كان الجميع يستطيعون الرسم والتلحين والتصميم وصناعة المشاهد، فأين يختبئ صاحب الموهبة الحقيقية؟
المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي منح الإنسان أدوات أقوى؛ فهذا أحد أجمل وجوه التقنية. المشكلة تبدأ حين نخلط بين امتلاك الأداة وامتلاك الموهبة.
هناك فرق كبير بين شخص يملك فكرة ويستخدم الذكاء الاصطناعي ليساعده على إخراجها، وبين شخص لا يملك الفكرة أصلًا ثم يطلب من الآلة أن تفكر وتكتب وتبتكر نيابة عنه، قبل أن يضع اسمه في النهاية بكل ثقة.
الأول استخدم الذكاء الاصطناعي.
أما الثاني، فالذكاء الاصطناعي هو الذي استخدم اسمه.
لقد أصبح من الصعب أحيانًا أن نعرف: هل نحن أمام عقل مبدع استعان بالتقنية، أم أمام تقنية مبدعة استعانت باسم إنسان؟
وربما لهذا لم تعد كثرة الإنتاج دليلًا على كثرة الموهبة.
يمكن للإنسان اليوم أن ينشر عشرة مقالات، ويؤلف عشرات القصائد، ويصنع عشرات الصور والمقاطع في وقت قياسي، لكن السرعة لا تمنح الفكرة روحًا، والكثرة لا تمنح صاحبها بالضرورة موهبة.
الموهبة الحقيقية ليست مجرد نتيجة جميلة تظهر أمامك. إنها تجربة، وملاحظة، وذاكرة، وخطأ، ومحاولة، وخيبة، ونجاح، وأسلوب يتكون ببطء حتى يصبح لصاحبه صوت يمكن التعرف إليه من دون أن نقرأ اسمه.
وهنا تكمن المفارقة.
لقد استطاع الذكاء الاصطناعي أن يمنحنا نصوصًا وصورًا وألحانًا وأفكارًا وخططًا وإستراتيجيات، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان تجربة لم يعشها، ولا خبرة لم يكتسبها، ولا شخصية لم يبنها.
والأهم من ذلك كله أنه، حتى هذه اللحظة، لا يستطيع أن يضع المال في جيبك لمجرد أنك طلبت منه ذلك.
بإمكانه أن يكتب لك ألف فكرة لمشروع ناجح، ويضع لك عشرات الإستراتيجيات، ويخبرك كيف تسوّق وتبيع وتنتشر، لكن بين الورقة والواقع مساحة لا يقطعها الذكاء الاصطناعي عنك.
هناك.. عليك أنت أن تعمل.
أن تجرب، وتفشل، وتتعلم، وتعرف الناس والسوق، وتخسر أحيانًا، وتعيد الحسابات، وتتخذ قرارًا لا يستطيع أي برنامج أن يتحمل نتيجته بدلًا منك.
فلو كانت الأفكار وحدها تصنع الثروة، لأصبح كل من يمتلك هاتفًا ثريًا. ولو كانت النصوص المصقولة وحدها تصنع الأدباء، لأصبح العالم كله أدباء. ولو كانت الأدوات تصنع الموهبة، لما بقي للموهبة معنى أصلًا. لذلك، شكرًا للذكاء الاصطناعي.
شكرًا لأنه جعل الجميع يكتبون، ويرسمون، ويلحنون، ويصممون، ويؤلفون.
لكنه، من حيث لا يقصد، وضعنا أمام اختبار أصعب بكثير:
حين يستطيع الجميع أن يصنعوا الشيء نفسه… من يملك شيئًا حقيقيًا لا تستطيع الآلة أن تصنعه عنه؟
ربما في السنوات القادمة لن تكون قيمة الإنسان في عدد الأشياء التي يستطيع إنتاجها، لأن الآلة ستنتج أكثر وأسرع.
ستكون قيمته في الشيء الذي بقي له وحده:
أن يعرف لماذا يكتب، وماذا يريد أن يقول، وأن تكون خلف كلماته حياة عاشها فعلًا، لا مجرد أمرٍ كتبه في خانة وانتظر نتيجته. فالذكاء الاصطناعي قد يمنحك أدوات الموهوبين…
لكنه لا يستطيع أن يعيش حياتك حتى تصبح موهوبًا.

