من الحقائق المؤسفة التي يجب على جيلنا مواجهتها هي أن أطفالنا أصبحوا اليوم أقل قدرة معرفية مما كنا عليه، عندما كنا في أعمارهم. تاريخياً، تفوق كل جيل على آبائه، وهذا ما نريده بالضبط، نريد لأطفالنا أن يكونوا أكثر ذكاءً منا.
كان السبب الرئيسي في ذلك المدرسة، فقد كان كل جيل يقضي وقتاً أطول في المدرسة، وكنا نستخدم المدرسة لتطوير قدراتنا المعرفية، إلى أن جاء جيل زد (Generation Z) أو الفئة الديموغرافية لمن ولدوا تقريباً بين 1997 و2012، ومن أبرز خصائصه أنه جيل رقمي أصلي، نشأ في عهد الإنترنت الواسع والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، ولم يعرف عالماً حقيقياً، بدون تقنية رقمية.
هذا الجيل هو أول جيل في التاريخ الحديث فشل في التفوق على الجيل الذي سبقه، في جميع المقاييس المعرفية تقريباً، من الانتباه الأساسي إلى الذاكرة، ومن القراءة والكتابة إلى الحساب، ومن الوظائف التنفيذية، وصولاً حتى لمعدل الذكاء العام، على الرغم من أنهم يذهبون إلى المدرسة أكثر منا... فما الذي حدث؟ ما الذي حدث في عام 2010، والذي تم فيه الفصل بين التعليم والتطور المعرفي؟ لا يمكن أن يكون السبب هو المدرسة نفسها، فالمدارس تبدو متشابهة إلى حدٍّ كبير. ولا يمكن أن يكون السبب هو العوامل البيولوجية، فلم يُتح لها الوقت الكافي للتغيير. لكن يبدو أن الإجابة تكمن في الأدوات التي نستخدمها داخل المدارس لتوجيه عملية التعلم.
فلو نظرنا إلى البيانات المتوافرة في 80 دولة، نجد أن 11 منها تتبنى التكنولوجيا الرقمية على نطاق واسع في المدارس، مما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الأداء، لدرجة أن الطلاب الذين يستخدمون أجهزة الكمبيوتر حوالي خمس ساعات يومياً في المدرسة لأغراض التعلم يحصلون على درجات أقل بأكثر من ثلثي الانحراف المعياري من الطلاب الذين نادراً ما يستخدمون التكنولوجيا في المدرسة أو لا يستخدمونها أبداً. وهذا ينطبق على 80 دولة. ففي الولايات المتحدة هناك برنامج يتعلق بالتقييم الوطني للتقدم التعليمي (NAEP). ولو أخذنا بيانات برنامج التقييم الوطني للتقدم التعليمي لأي ولاية، وقارنا البيانات بالتي حصلنا عليها بعد أن تبنت التكنولوجيا على نطاق واسع، سنجد فرقاً واضحاً. سنجد أن البيانات ستستقر لفترة، ثم تبدأ بالانخفاض.
ما نريده حقاً هو السببية. وللحصول على السببية، نحتاج إلى بحث أكاديمي، وآليات، وتفسير لما نراه. لحسن الحظ، لدينا أبحاث أكاديمية تعود إلى عام 1962 تُظهر النتيجة نفسها تماماً على مدى ستين عاماً. فعندما تدخل التكنولوجيا إلى التعليم، يتراجع التعلم!!
في الواقع، ماذا يفعل الأطفال على أجهزة الكمبيوتر؟ يكتفون بالقراءة السريعة. لذا، بدلاً من تحديد ما نريده لأطفالنا وتوجيه التعليم نحوه، نعيد تعريف التعليم ليناسب الأداة بشكل أفضل.
هذا ليس تقدماً، بل استسلاماً، فحتى في المدارس، لا يهم حجم الشاشة، سواء كان هاتفاً أو حاسوباً محمولاً أو مكتبياً، ولا يهم من اشتراه، وهل هو معتمد من المدرسة؟ هل يحمل شعار «تعليم»؟ كل هذا لا يهم، كلها ستضرّ بالتعلم، وستؤثر، أو أثرت سلباً في النمو المعرفي لأطفالنا في الوقت الذي نحتاج فيه أن يكونوا أكثر ذكاءً منا.
وعليه يجب أن يتوقف هذا الاعتماد الكلي على الآلات وأن نعود إلى التعليم التقليدي، للسبورة، ولإعطاء المعلم دوراً أكبر في الوظيفية التعليمية.
أحمد الصراف

