تبدو الدبلوماسية السعودية اليوم جزءًا من قوة المملكة، لا مجرد نشاط يرافقها.. إنها تضع الحماية والتنمية وتسوية النزاعات في حساب واحد.. وإذا كان اتفاق مكة قد غيّر شيئًا بالفعل، فهو أنه نقل الرسالة السعودية من طلب المساندة عند اشتداد الخطر إلى بناء شراكات قبل أن يملي الخطر شروطه.. تلك سياسة تنطلق من مصلحة المملكة، وتدرك أن استقرارها لا ينفصل عن استقرار المنطقة.
كلما تصاعدت هجمات الحوثيين، عاد سؤال الأمن السعودي إلى الواجهة: كيف تحمي المملكة حدودها ومدنها ومصالحها الاقتصادية من تهديد يتجدد كلما بدا أن المنطقة تقترب من التهدئة؟ الإجابة لا توجد في ميدان القتال وحده. فمن يقرأ السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة يرى دولة تعمل على تقليل مصادر الخطر من حولها، وتوسيع خياراتها الدبلوماسية، وحماية قدرتها على اتخاذ القرار بعيداً عن ضغوط الأزمات.
هذه نقطة البداية لفهم اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان. فالمملكة تعرف قيمة علاقاتها مع القوى الكبرى، لكنها تعرف أيضاً أن الاعتماد على أي شريك بمفرده يترك أمنها عرضة لتبدل أولوياته. لذلك فإن توسيع الشراكات الإقليمية ليس رد فعل عابراً على الهجمات الحوثية، بل امتداد لسياسة ترى أن استقرار السعودية مصلحة يجب أن يتشارك فيها من يتأثرون باضطراب المنطقة وممراتها التجارية.
وما يميز هذا التوجه أن الرياض لا تطلب من شركائها أن ينظروا إلى اليمن بالمنظار السعودي وحده. تركيا لها حساباتها في التجارة والأمن والصناعات الدفاعية، وباكستان لها روابطها التاريخية بالمملكة ومصالحها المعقدة مع بقية دول المنطقة. جمع هذه المصالح حول أمن مشترك هو عمل دبلوماسي يحتاج إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى خطاب حماسي. والاتفاق، مهما بلغت أهميته، لن يثبت أثره إلا حين يتحول إلى تنسيق واضح في تبادل المعلومات، وحماية المنشآت والملاحة، وإدارة الأزمات قبل اتساعها.
بالنسبة للسعودية، تحمل هجمات الحوثيين كلفة تتجاوز الخسائر المباشرة. فالاستثمار يحتاج إلى طمأنينة، وخطط التنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة، والتجارة تحتاج إلى طرق بحرية لا تتحول إلى أوراق ابتزاز. لهذا لا يمكن فصل أمن المملكة عن مشروعها الاقتصادي، ولا اختزال موقفها في رغبة بالرد العسكري. هدف الرياض الأبعد هو ألا تتمكن جماعة مسلحة من تعطيل حياة بلد كامل، أو فرض شروط سياسية عليه عبر تهديد مستمر.
ومن هذا المنطلق أيضاً، ينبغي الحذر من اعتبار كل تطور ميداني نهايةً للحرب. قد تتغير وتيرة الهجمات، وقد ترتفع خسائر الحوثيين في جبهة ما، لكن الجماعة أثبتت قدرتها على إطالة النزاع. المصلحة السعودية ليست في إعلان نصر مبكر ثم العودة إلى نقطة البداية؛ إنها في بناء وضع يجعل الاعتداء أقل جدوى، ويمنح الحل السياسي فرصة أكبر للاستمرار. الردع الجيد لا يُقاس فقط بما يمنعه اليوم، بل بما يتيحه من استقرار غداً.
أما العلاقة مع إيران، فتختبر قدرة الدبلوماسية السعودية على الجمع بين الحزم وفتح الأبواب. الترحيب الإيراني المعلن باتفاق مكة، والحديث عن الاستعداد للمساعدة في حل الأزمة اليمنية، إشارتان تستحقان المتابعة من دون مبالغة في تفسيرهما. لا تحسم التصريحات سؤال النفوذ الإيراني أو مسؤولية طهران السياسية؛ ما يحسمه هو ما يحدث على الأرض. تستطيع الرياض أن تستمع إلى لغة التهدئة، وأن تطلب في الوقت نفسه ما يثبتها: تراجع التهديدات، واحترام سيادة الدول، ووقف استخدام اليمن ساحة للضغط.
وفي خلفية هذا المشهد تبرز محاولات ربط احتياجات السعودية الأمنية بخياراتها السياسية الأوسع. لكن المملكة ليست مضطرة إلى قبول أن يحدد الخوف مسار علاقاتها أو موقفها من قضايا المنطقة. تنويع الشراكات يمنحها قدرة أكبر على التفاوض وفق مصالحها ومبادئها، لا وفق استعجال تفرضه أزمة أمنية. هنا تكمن قيمة اتفاق مكة السياسية، حتى قبل اختبار فاعليته العسكرية: إنه يوسع هامش القرار السعودي.
يبقى اليمن المعيار الأصعب. لا تستطيع السعودية أن تختار جغرافيا أخرى، ولا يستطيع اليمنيون تحمل حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.. لذلك تحتاج سياسة المملكة إلى مسارين متلازمين: حماية أمنها بحزم، ودعم تسوية تتيح لليمنيين دولة ومؤسسات وحدوداً لا تُستخدم لتهديد الجوار. أي ترتيب أمني لا يفتح أفقاً سياسياً لليمن سيظل معرضاً لانتكاسة جديدة، مهما بلغت قوة الأطراف التي تسانده.
لهذا تبدو الدبلوماسية السعودية اليوم جزءاً من قوة المملكة، لا مجرد نشاط يرافقها.. إنها تضع الحماية والتنمية وتسوية النزاعات في حساب واحد.. وإذا كان اتفاق مكة قد غيّر شيئاً بالفعل، فهو أنه نقل الرسالة السعودية من طلب المساندة عند اشتداد الخطر إلى بناء شراكات قبل أن يملي الخطر شروطه.. تلك سياسة تنطلق من مصلحة المملكة، وتدرك أن استقرارها لا ينفصل عن استقرار المنطقة.

