: آخر تحديث

اليوم الوطني.. كم ننفق وكم نُبدع؟

5
4
4

أكثر من نصف مليار ريال، قد يكون تقديراً قريباً لما يُنفق في موسم اليوم الوطني على الحملات الإعلامية والتسويقية، ما بين إنتاج الأعمال، وشراء المساحات والمشاهدات، والاستعانة بالمشاهير والمؤثرين، وغيرها من أدوات التسويق التي جعلت هذه المناسبة الغالية من أهم المواسم الإعلانية في المملكة.

فاليوم الوطني يستحق أفضل ما يمكن أن نقدمه، والمنافسة في الإبداع جميلة، لكن المشكلة عندما يتحول حجم ما ندفعه إلى مقياس للنجاح.

شخصياً أعجبني إعلان لإحدى الجهات، وما حققه من نجاح وانتشار، وعندما تحدثت عنه مع أحد الزملاء، كان تفسيره لذلك النجاح مفاجئاً لي، (لأنهم يدفعون مبالغ ضخمة للترويج، وخصوصاً لشراء المشاهدات)..!!

توقفت عند رده، ليس لأنه يفسر نجاح الإعلان، وإنما لأن تفكير إجابته يكشف مفهوماً أصبح سائداً لدى البعض في العمل الإعلامي والتسويقي، بأن الانتشار يمكن شراؤه، وبالتالي يصبح حجم المشاهدات دليلاً على النجاح، حتى وإن كانت هذه المشاهدات نفسها جزءاً مما دفعنا ثمنه..!

فالمال يستطيع اليوم أن يضع إعلانك أمام ملايين الأشخاص، ثم تأتي في نهاية الحملة لتعلن أن حملتك الإعلانية او الفيلم القصير الذي أنتجته حقق عشرة أو عشرين أو ثلاثين مليون مشاهدة، وهنا المفارقة، ندفع الملايين لشراء المشاهدات والترويج، ثم نعود لنضع عدد هذه المشاهدات في تقرير نهاية الحملة باعتباره أحد أهم أدلة نجاحها.!

ولا أقصد هنا التقليل من أهمية الأرقام الحقيقية، فالمشاهدة الطبيعية والتفاعل الحقيقي والتداول الذي يصنعه المحتوى بقوة فكرته من أهم مؤشرات النجاح، لكن التطورات الرقمية فتحت أيضاً الباب لأرقام وهمية وتفاعل «فيك»، يمكن أن يمنح انطباعاً بالانتشار والتأثير لا وجود له بالضرورة، ولذلك أصبح فهم الرقم أهم من الانبهار به.

ومن واقع تجربة مهنية، شاهدت قبل اليوم الوطني والعديد من المناسبات المهمة، وكالات تعرض أفكاراً وأعمالاً جاهزة، ثم أفاجأ مع بداية المناسبة بمشاهدة الفكرة نفسها تقريباً لدى منشآت وشركات كبيرة، بعد تغيير بعض الكلمات والتفاصيل لتتناسب مع نشاط كل جهة!

والسبب ان غياب الأفكار الذكية والمختلفة في بعض الحملات يعود ببساطة إلى أن الاستعداد للمناسبة لا يبدأ إلا قبل أيام أو أسابيع، نتيجة ضعف التخطيط وغياب الاحترافية، فتكون الفكرة الجاهزة أسرع من صناعة فكرة حقيقية ومختلفة.

وهنا تظهر إشكالية أكبر عانت منها مهنتا الإعلام والإعلان، وهي تولي بعض غير المتخصصين مواقع إعلامية وتسويقية، فأصبح الرقم أسهل من تقييم الفكرة، والمشاهدة أسهل من قياس التأثير، وتقرير المنصة أسهل من السؤال عما بقي في ذاكرة الناس.

حتى بعض المؤثرين تحولوا في المواسم إلى مساحات إعلانية مفتوحة، إعلان يتبعه آخر، ونصوص متشابهة لا تشبه أصحابها، وبعضها مكتوب بأسلوب ركيك بالذكاء الاصطناعي.

ولهذا تمر حملات ضخمة لا تعيش أكثر من ساعات، ثم تختفي بانتهاء المناسبة، وقد ينسى الجمهور مضمونها سريعاً، ومن دون مبالغة بعضها ينساه المسؤولون الذين اشرفوا على هذه الحملات وهذه حقيقة..!!.

لذلك النجاح في الإعلام والإعلان لم يكن يوماً بحجم ما تدفع، ولا بعدد المشاهدات التي تستطيع شراءها، وإنما بالفكرة التي تجعل الناس يتوقفون عندها ويتحدثون عنها ويتذكرونها بعد انتهاء الحملة، وهذا هو الفارق بين إعلان دفعنا ليشاهده الناس، وإعلان يستحق أن يشاهده الناس.

لذلك نصيحة للجميع وقبل أن نبحث في اليوم الوطني القادم عن ملايين جديدة نضيفها إلى خانة المشاهدات، نحتاج أولاً إلى فكرة تستحق هذه الملايين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد