خيرالله خيرالله
عندما يتعلّق الأمر باحتمال حصول صدام تركي - إسرائيلي بسبب سوريا، يظل حصول مثل هذا الصدام مستبعداً إلى حد كبير. تعرف تركيا قبل غيرها أنّه ليس مسموحاً لها إيجاد وجود عسكري دائم في سورياً، بما يجعلها تحلّ مكان إيران التي اضطرت إلى الانسحاب من هذا البلد.
انسحبت إيران وأدواتها نتيجة سقوط النظام الأسدي الذي حوّل سوريا إلى جرم يدور في فلك «الجمهوريّة الإسلاميّة». حصل ذلك على مراحل، خصوصاً منذ خلف بشّار الأسد والده في العام 2000 وتحوّله، في ضوء ثقافته السياسيّة المحدودة، إلى معجب بشخص حسن نصرالله الأمين العام الراحل لـ«حزب الله».
يصعب تجاهل أن تركيا لا تستطيع الذهاب بعيداً في تحدّي إسرائيل لأسباب عدّة تفرض التوصل إلى تفاهم بين الجانبين. بين هذه الأسباب العلاقة بين البلدين منذ العام 1948.
في المقابل، لا مصلحة إسرائيلية في مواجهة مباشرة مع تركيا. في نهاية المطاف توجد علاقات في العمق، ذات طابع أمني وتجاري تجعل المزايدات في غير محلها.
هذا لا يعني عدم وجود طموحات تركيّة في سوريا وخارجها، بما في ذلك لبنان. كذلك، لا يمكن تجاهل الروح العدائية التي تمارسها إسرائيل، ممثلة ببنيامين نتنياهو، عندما يتعلّق الأمر بتجاوز تركيا لخطوط حمر معيّنة. على سبيل المثال وليس الحصر، تجاوزت إسرائيل كلّ حدود عندما وقفت في وجه مجموعة من السفن، انطلقت من تركيا، سعت في العام 2010 إلى فك الحصار عن غزّة التي كانت تسيطر عليها حركة «حماس». تربط علاقة قويّة بين «حماس» وأنقرة. هذا ما تعرفه إسرائيل جيداً وتتعايش معه.
بلغ الأمر بالبحرية الإسرائيلية أن هاجمت سفينة تركيّة وقتلت مواطنين اتراكاً. قطعت أنقرة العلاقات مع إسرائيل وما لبثت أن أعادتها في ديسمبر 2022. يدل ذلك على وجود حدود لأي قطيعة يمكن أن تحدث بينهما. لا مفرّ من أن يجد الطرفان صيغة تعايش بينهما، خصوصاً في ظلّ وجود علاقات في العمق بين المؤسسة الأمنيّة في كل من البلدين وتعاون لم يتوقف يوماً في ما بينهما.
يؤكّد الاجتماع الذي انعقد في الأردن بين رومان غوفمان، مدير جهاز «الموساد» الإسرائيلي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، البحث عن صيغة تفاهم بين إسرائيل وتركيا.
بغض النظر عن السقف العالي للخطاب السياسي، والاستفزازات الإسرائيلية، يظلّ أن لا خيار أمام الجانبين غير التفاهم في ما بينهما. ليس أمام تركيا غير البحث عن نقاط التقاء مع إسرائيل في كلّ ما علاقة بالوضع السوري. لا لشيء، سوى لأن تركيا تعرف أن سقوط النظام العلوي في سوريا ما كان ممكناً لولا رفع إسرائيل الغطاء الذي وفرته في كلّ وقت لهذا النظام.
كذلك، تعرف إسرائيل أن تركيا لعبت دوراً أساسياً، في وصول أحمد الشرع، مرفوقاً بالشيباني، إلى دمشق، في انتظار اليوم الذي تنتهي فيه المرحلة الانتقالية...
استهدفت إسرائيل مطار أبوالظهور السوري والذي لا يبعد كثيراً عن الحدود التركيّة، أخيراً. كان ذلك بمثابة رسالة في غاية الوضوح في شأن الانتشار العسكري التركي في سوريا... أي ما هو مسموح به إسرائيلياً وما هو غير مسموح به. تبقى الكلمة الأولى والأخيرة في هذا المجال للمؤسسة الأمنيّة الإسرائيلية ذات الروابط التاريخية بالمؤسسة الأمنيّة التركية. أكثر من ذلك، لا تستطيع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجاهل أن تركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو) كما أن علاقة متميزة تربط، إلى إشعار آخر، بين أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لن يكون أمام تركيا من خيار آخر غير التفاهم مع إسرائيل في حال كانت تريد ممارسة نفوذ في سوريا بعيداً عن المشاكل والتوترات التي تستطيع الدولة العبرية افتعالها في مناطق مختلفة. بين هذه المناطق الساحل السوري حيث الوجود العلوي، ومحافظة السويداء حيث الوجود الدرزي. الأكيد أنّه سيكون هناك دور أميركي في ترتيب الأمور بينهما. إلى إشعار آخر، ليس ما يشير إلى استخفاف في واشنطن لأهمّية التوصل إلى ترتيبات بين حليفين لا غنى لأي منهما عن الآخر، خصوصاً في سوريا.
لا تعرف إدارة ترامب، الكثير عن المنطقة، لكن الأكيد أنّها تعرف أن أي صدام ليس في مصلحتها وأن استثمارها السياسي في سوريا ما بعد الأسد هو من نوع الاستثمارات التي تسعى إلى المحافظة عليها، أقلّه في الوقت الحاضر والظروف الراهنة.

