النشوء، قيام جماعة بسيطة المنشأ، وفقيرة، لكن متماسكة، بغزو جماعة أكثر تحضراً منها، وتستولي على الحكم وتبني دولة، وتزدهر الحضارة والعمران وتزداد الثروة، ثم يأتي الترف ومعه تضعف العصبية، يتنافس الأبناء والأحفاد على الحكم، وينتشر الفساد والبطالة والتكاسل، فتأتي المرحلة الرابعة، وهي الانهيار، بعد أن تصبح الدولة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فتأتي جماعة جديدة بعصبية أقوى وتسقطها، وتبدأ الدورة من جديد.
جاء آخرون، بعد ابن خلدون، وأضافوا مرحلة خامسة.
لكن ماذا كان مصير مختلف الإمبراطوريات على مدى ألفي سنة مضت؟
بلغت الإمبراطورية الرومانية ذروة اتساعها الجغرافي في عهد الإمبراطور تراجان «Trajan»، وتحديداً عام 117 ميلادية، وهو العام الذي توفي فيه، وكانت الكبرى التي عرفها العالم، لكن بدأ مقتلها عندما قرّرت حماية كل ما غزته من أراضٍ دفعة واحدة بجنودها، وكانت تلك نهايتها، بسبب توسعها المفرط.
ثم أتت تالياً الإمبراطورية العثمانية، وتمتعت بـ600 عام من الهيمنة على دول كثيرة، ودخلت في النفق نفسه، حيث جاء وقت كانت جيوشها تقاتل على 3 جبهات في وقت واحد، فأدى ذلك لإفلاسها.
بعدها جاءت الإمبراطورية البريطانية، وفي أوج قوتها سيطرت على 24% من اليابسة، وامتلكت أقوى أسطول، وكان الإسترليني عملة الاحتياطي العالمي، وكانت لندن مركز التجارة والمال والقانون، لكن توسعها استنزف قواها وأموالها، فكانت النهاية.
ثم جاء الاتحاد السوفيتي، وكان عام 1985، قد تجاوز المرحلة الرابعة، حيث كان الجيش السوفيتي منتشراً بشكل مفرط، في مختلف الدول، وبدلاً من التوقف والانكفاء، وتقليص تمويل الجيوش والمشاركة في سباق التسلح، قام بغزو أفغانستان، وكانت التكلفة كارثية، وبداية نهاية الإمبراطورية.
والآن، وقد اتضحت معالم الخطوات الأربع، نرى أن أمريكا، برأي الكثير من المحللين، قد أنهكتها حروبها، خلال السنوات العشرين الماضية، بتكلفة تريليونية غير مسبوقة، لكن ماذا عن المرحلة الخامسة؟
كل مؤرخ درس انهيار الإمبراطوريات متفق على ماهية الخامسة، فهي ليست معركة، ولا غزواً، ولا حدثاً يمكن التنبؤ الدقيق به، فهي أكثر هدوءاً من ذلك، إنها صباح ذلك اليوم، الذي تستيقظ فيه قيادة تلك الإمبراطورية، لتجد أن أموالها قد تبخرت، وذخيرتها قد نفدت، وديونها قد تصاعدت. فروما لم تسقط في يوم واحد، ولم ينهر العثمانيون في معركة واحدة، ولم تخسر بريطانيا إمبراطوريتها في حرب واحدة، ولم ينتهِ الاتحاد السوفيتي بهزيمة واحدة، لكن وصلوا جميعاً إلى المرحلة الخامسة بالطريقة نفسها، تدريجياً، وفجأة، وقع الانهيار، والسبب «التوسّع الاستعماري المفرط»، وهذه المرحلة تُسمّى «التوسّع الإمبراطوري المفرط». وقد وصف هذه المرحلة مؤرخ «جامعة ييل» البروفيسور بول كنيدي، في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى»، الصادر عام 1987، والذي كتبه كتحذير خاص بأمريكا، بأن المرحلة الخامسة لم تفشل قط، ولا مرة واحدة، في ألفي عام من التاريخ.
وربما كان الانسحاب الأمريكي الصامت، من بعض قواعده في منطقة الخليج العربي، نوعاً من تأخير أو تجنّب الانهيار، الذي يتوقع الكثيرون وقوعه.
أحمد الصراف

