: آخر تحديث

الخطبة والزواج.. بين الأمس واليوم

1
2
2

تغريد إبراهيم الطاسان

قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن تعارف شاب وفتاة قبل الزواج يثير كثيرًا من الحرج، لإن المجتمع كان ينظر إلى معظم صور التعارف بعين الريبة، ولأن البيئة الاجتماعية كانت محدودة، وفرص اللقاء المنظم قليلة، وكانت الأسرة تؤدي الدور الأكبر في التعريف بين الطرفين، بينما كانت المدرسة والجامعة والعمل في الغالب بيئات منفصلة، لا تتيح معرفة حقيقية بالشخصية أو الطباع.

وبحكم عملي كأخصائية اجتماعية، تمر عليّ في عيادتي حالات كثيرة لأزواج في السنة الأولى من الزواج، وهي المرحلة التي يُفترض أنها الأكثر دفئًا وانسجامًا.

لكن المفاجأة أن بعضهم يصل وفي العلاقة شرخ عميق، لا بسبب خلاف كبير، وإنما لأن كل طرف اكتشف بعد الزواج أن الصورة التي كوّنها عن الآخر لم تكن حقيقية.

أحدهما يظن أنه يعرف شريك حياته، ثم يكتشف أنه لم يعرف سوى نسخة رسمية ظهرت في جلسات الخطبة، بينما بقيت طريقة التفكير، وإدارة الغضب، والتعامل مع الضغوط، وأسلوب الحوار، والقيم اليومية، أمورًا لم تُكتشف إلا بعد السكن تحت سقف واحد.

وهنا يبدأ الاصطدام بالواقع، وتبدأ معه رحلة الخيبة التي كان يمكن تجنب جزء كبير منها لو أتيحت للطرفين فرصة معرفة أكثر عمقًا، في إطار يحفظ القيم والاحترام، ويكون هدفه الواضح هو الزواج لا مجرد العلاقة

اليوم، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. ليس لأن المجتمع تخلى عن قيمه، وإنما لأن الحياة نفسها تغيرت.

فقد أعادت رؤية المملكة 2030 تشكيل كثير من تفاصيل الحياة اليومية، وفتحت مجالات واسعة لعمل المرأة، وتوسعت الجامعات المختلطة في بعض البرامج، وازدادت المبادرات التطوعية، ونمت ريادة الأعمال، وأصبحت بيئات العمل أكثر تنوعًا، كما ظهرت أنظمة وتشريعات واضحة تنظم العلاقة المهنية وتحفظ الحقوق، الأمر الذي جعل وجود الرجل والمرأة في مساحة عمل واحدة أمرًا طبيعيًا تحكمه الأنظمة والأخلاق المهنية.

هذا التحول الكبير يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما زالت طرق التعارف المؤدية إلى الزواج كما كانت قبل عشرين عامًا؟ أم أننا أمام مجتمع يصنع مسارًا جديدًا للتعارف أكثر واقعية وأكثر قدرة على بناء زواج ناجح؟

الواقع يقول إن التعارف لم يعد محصورًا في مجلس العائلة أو ترشيح الأقارب أو مناسبة اجتماعية عابرة. كثير من الشباب والفتيات أصبحوا يلتقون لأول مرة داخل مشروع مهني، أو فريق تطوعي، أو برنامج تدريبي، أو مؤتمر، أو حتى في بيئة جامعية.

وهناك تتكون الانطباعات الأولى بعيدًا عن المبالغات التي ترافق بعض الزيارات التقليدية. يرى كل طرف كيف يفكر الآخر، وكيف يدير وقته، وكيف يتعامل مع الضغوط، وكيف يحترم زملاءه، وهي صفات يصعب اكتشافها في جلسة تعارف لا تتجاوز ساعة أو ساعتين.

ولعل هذه إحدى أهم مزايا التحولات الحديثة؛ فالمعرفة أصبحت أعمق من مجرد سؤال عن النسب أو الوظيفة أو الدخل. أصبح بالإمكان التعرف على القيم، وطريقة التفكير، وأسلوب الحوار، والقدرة على تحمل المسؤولية، وهي عناصر أثبتت التجارب أنها أكثر تأثيرًا في نجاح الحياة الزوجية من كثير من الاعتبارات الشكلية.

لكن من الخطأ أن نتصور أن كل تعارف في بيئة العمل أو الجامعة سينتهي بزواج، أو أن كل علاقة تبدأ هناك علاقة صحية.

فالقرب لا يعني التوافق، وكثرة اللقاءات لا تعني النضج العاطفي. ولهذا جاءت الأنظمة المهنية لتضع حدودًا واضحة تمنع الاستغلال أو التحرش أو إساءة استخدام السلطة الوظيفية، وتحافظ على بيئة عمل محترمة للجميع.

كما أن المجتمع نفسه أصبح أكثر وعيًا بالفصل بين التعارف المسؤول والعلاقات العابرة. فالتعارف الذي يتجه بوضوح نحو الزواج ويُدار باحترام وشفافية يختلف تمامًا عن العلاقات المفتوحة التي تستنزف المشاعر والوقت دون هدف واضح. وهذه نقطة مهمة ينبغي ألا تضيع وسط النقاشات المتطرفة التي ترى كل تعارف خطأ، أو ترى كل انفتاح فضيلة.

ومن اللافت أن الأسر أيضًا بدأت تتغير. فبعد أن كانت بعض العائلات ترفض مجرد فكرة معرفة الشاب والفتاة ببعضهما قبل الخطبة، أصبحت اليوم أكثر استعدادًا للاستماع عندما يكون التعارف قد نشأ في إطار محترم، وكانت نية الزواج واضحة منذ البداية.

إن بعض الأسر أصبحت ترى أن وجود قدر معقول من المعرفة المتبادلة يقلل من احتمالات المفاجآت بعد الزواج.

ومع ذلك، ما زالت هناك فجوة بين سرعة تغير المجتمع وسرعة تغير الثقافة الاجتماعية. فما يزال بعض الشباب يتردد في إخبار أسرته بأن اختياره جاء بعد معرفة في بيئة العمل، رغم أن هذه المعرفة تمت في إطار نظامي وأخلاقي. وما تزال بعض الفتيات تخشى أن يُساء فهمها إذا أبدت رغبتها في الارتباط بشخص تعرفت إليه من خلال مشروع أو فريق عمل. هذه الفجوة تحتاج إلى حوار هادئ يفرق بين القيم الثابتة والعادات المتغيرة.

الحقيقة أن رؤية المملكة لم تكن مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت مشروعًا اجتماعيًا أيضًا. فعندما يزداد حضور المرأة في مختلف القطاعات، وعندما يعمل الشباب والفتيات معًا في بيئات احترافية، فمن الطبيعي أن تتغير أنماط التعارف، وأن تظهر قصص زواج بدأت من مشروع، أو مؤتمر، أو مبادرة، أو مكتب، بدلًا من أن تبدأ من زيارة تقليدية أو ترشيح عائلي. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق ما دام الإطار الأخلاقي والنظامي حاضرًا، فقد يكون مؤشرًا على مجتمع أكثر نضجًا، يختار فيه الإنسان شريك حياته بناءً على معرفة حقيقية لا على صورة عابرة.

وربما لم يعد السؤال الصحيح اليوم: هل يجوز أن يتعارف الشاب والفتاة في بيئة العمل أو الدراسة؟ السؤال الأهم: كيف نجعل هذا التعارف منضبطًا، محترمًا، وصادقًا، ويقود -عند وجود التوافق- إلى تأسيس أسرة مستقرة؟

فالزواج الناجح لا يصنعه مكان التعارف، وإنما تصنعه جودة الإنسان، ووضوح النية، واحترام الحدود، وصدق الرغبة في بناء حياة مشتركة. أما طرق التعارف، فهي ستظل تتطور مع تطور المجتمع، لأن الحياة لا تتوقف، والمجتمعات الحية تعيد تشكيل أدواتها، بينما تحافظ في الوقت نفسه على قيمها الكبرى التي تمنحها توازنها واستقرارها.

لذلك، فإن القضية ليست في أن نتمسك بطريقة تعارف قديمة أو نحتفي بطريقة حديثة، وإنما في أن نسأل: هل ساعدنا الشاب والفتاة على اتخاذ قرار الزواج بناءً على معرفة حقيقية ومسؤولة؟ فكلما كانت المعرفة أصدق، والنية أوضح، والأسرة حاضرة، والضوابط محترمة، تراجعت الصدمات التي نراها في السنة الأولى من الزواج، وازدادت فرص أن يبدأ الزواج شراكة ناضجة، لا رحلة لاكتشاف شخص غريب بعد توقيع العقد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد