«وول ستريت جورنال».. الصحيفة التي أصبحت عائلة روبرت ماردوخ صاحبة النفوذ الأكبر فيها، والمعروفة بمواقفها الداعمة لإسرائيل، انتهجت نشر معلومات عن هجمات خليجية ضد إيران. أخيراً أثارت الصحيفة جدلاً واسعاً عندما نشرت في 25 يوليو 2026، تقريراً قالت فيه إن طائرات حربية بحرينية وكويتية نفذت، في وقت سابق من الشهر نفسه، ضربات استهدفت منشآت لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل إيران، وإن دولة الإمارات قدمت معلومات استخبارية، ودعماً دفاعياً للعملية.
التقرير انتشر لكنه لم يتحوّل الى حقيقة مُثبتة، فقد نفت الكويت مشاركتها في أيّ عملية هجومية داخل إيران، ونفت الإمارات الرواية وبقيت مُتمسّكة بخطاب خفض التصعيد والدفاع عن أمن الخليج. أما البحرين، فقلّلت من قيمة الخبر وتعاملت معه بتجاهل.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الخبر نُشر منفرداً في «وول ستريت جورنال» ونسبته إلى «مصادر مطّلعة» لم تسمّها. وبعد نشر التقرير قامت وسائل إعلام بإعادة نشره معتمدة على ما ذكرته الصحيفة نفسها، ومن دون الإشارة إلى حصولها على مصادر مستقلة تؤكد الرواية. حتى وكالات الأنباء لم تنشر أيّ تأكيد للخبر. وهذا مهم، لأن معظم الوسائل الإعلامية، إذا امتلكت مصادرها المستقلة، تقول «وفقاً لمصادرنا»، لا مجرّد نقلاً عن «وول ستريت». هذا يعني أن الرواية بقيت منفردة، ولم تحصل أيّ وسيلة إعلامية أخرى على تأكيد الخبر. لذلك وجب التعامل مع الرواية بحذر، إذ لم تظهر أدلة مستقلة، أو بيانات رسمية، أو تسريبات مُتقاطعة، من أكثر من جهة.
السؤال يبقى، لماذا نشرت صحيفة أمريكية خبراً شديد الخطورة، وهي تعلم أن الحكومات المعنية ستنفيه؟ هذا السؤال يتعلق بحرب الرسائل والتسريبات، والحرب النفسية التي أصبحت جزءاً من الصراع. الصحيفة نشرت الخبر من دون مصدر موثّق. ولم يستند الخبر الى إعلان صادر عن الحكومات الثلاث، ولا حتى عن أدلة مقنعة. لهذا لا يمكننا اعتبار «مصادر مطّلعة» دليلاً. المعيار الحقيقي هو أدلة مستقلة: صور أقمار صناعية، حطام ذخائر، مسارات طيران، تسجيلات، اتصالات، شهادات متعدّدة غير مرتبطة ببعضها بعضاً، أو اعتراف رسمي لاحق. كل ذلك لم يُعرض علناً ليحسم الجدل.
أما الكويت، فأكدت النفي الذي لا يقتصر على حماية السمعة السياسية، بل يرتبط بجملة اعتبارات استراتيجية: الحفاظ على موقع الدولة المدافعة. تريد الكويت أن تثبت أنها تدافع عن أجوائها وأراضيها، ولا تشارك في حرب هجومية. وهذا فارق مهم أمام المجتمع الدولي. إن اعتراض صاروخ أو مسيّرة، فوق الأراضي الكويتية يمكن تقديمه كعمل دفاعي. أما إرسال طائرات لقصف مواقع داخل إيران، فقد يوصف بأنه استخدام للقوة خارج الحدود. السياسة الخارجية للكويت تخضع لرقابة ونقاش داخلي واسع، وقد يؤدي الاعتراف بعمل عسكري هجومي، الى دخول الحرب، واستخدام القوات المسلحة، وتعريض المدنيين للمخاطر، وهو ما تحرص على تجنبه. الكويت هي الدولة التي عُرِفت بحكمتها، وبحفاظها على قنوات الوساطة، ولها تاريخ طويل في العمل الدبلوماسي. هي دولة سلمية مُحايدة، تلعب دوراً في خفض التصعيد.
أما الإمارات فخبر دعمها الاستخباراتي لهذه الضربات قد يتخذ صورة واسعة، وقد يعني تعاوناً في قرار الهجوم. علماً أن الصحيفة نفسها سبق ونشرت في مايو 2026 تقارير قالت فيها إن الإمارات أدت دوراً سريّاً في الحرب، بما في ذلك تنفيذ ضربات ضد إيران. وطبعاً كل تلك الأخبار التي نشرتها «وول ستريت» جاءت تحت «مصادر خاصة»، وبلا أدلة، ما يؤكد أنها لا تمت للحقيقة بصِلة.
هذه الروايات التي تنشرها «وول ستريت» منفصلة، تكررّت خلال الأشهر الأخيرة، وسط نفي دول المنطقة، وعدم وضوح أدلة دامغة تثبت ما تبثه الصحيفة. هذه الأخبار تبدو في ظاهرها عسكرية، وفي باطنها رسائل تصعيدية. «الحرس الثوري» مثلاً، قد يستخدم هذه التقارير لتأكيد روايته بأن الولايات المتحدة حوّلت الخليج الى مِنصة حرب ضد إيران. وهذا يساعد المتشددين على تبرير توسيع الهجمات، ورفض التفاوض.
ونسأل: هل يحق لصحيفة أن تنشر أخباراً غير موثّقة قد تؤجج التصعيد في حرب يَضرّ استمرارها بالاقتصاد العالمي؟ أخلاقياً، ينبغي في زمن الحرب ألا تُنشر روايات غير مؤكدة، وأن تعيد الصحيفة فحص معلوماتها، وتتأكد منها عبر الجهات الحكومية قبل النشر. أما التباهي بسبق صحفي لا يستند إلى أدلة مؤكدة، وقد يدفع نحو مزيد من التوتر، فليس سوى.. تضليل مقصود.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

