سهم بن ضاوي الدعجاني
تأملتُ علاقتي الطويلة بـ«الصالونات الأدبية»؛ متابعةً واهتمامًا ورصدًا وتأليفًا، على مدى أكثر من عشرين عامًا، فوجدت أن هذا الاهتمام بتلك الصالونات الأدبية يمثل قاسمًا مشتركًا بيني وبين الصديق النبيل الدكتور محمد المشوح، صاحب «الثلوثية» المعروفة بمدينة الرياض.
وقد التقيت به أكثر من مرة في إطار الحديث عن تاريخ تلك الصالونات الأدبية ونشأتها ودورها الكبير في المشهد الثقافي السعودي، وذلك في عدد من الندوات واللقاءات الثقافية. ومن أبرز المحطات التي جمعتني به:
1. عندما نظم مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بمكة المكرمة ندوة بعنوان «الصالونات الثقافية ودورها في نشر ثقافة الحوار»، خلال الفترة من 22 إلى 23 ربيع الآخر 1427هـ، الموافق 20–21 مايو 2006م، حيث شارك الدكتور محمد المشوح بورقة عمل بعنوان: «ماذا تريد الصالونات الثقافية من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني؟»، بينما شاركتُ أنا بورقة بعنوان: «الصالونات الثقافية ودورها في نشر ثقافة الحوار في المجتمع».
2. التقينا كذلك في ندوة مشتركة ضمن فعاليات اليوم الثالث من أسبوع كلية اليمامة الثقافي الأول، الذي أقيم خلال الفترة من 5 إلى 7 /11/1427هـ، وحملت الندوة عنوان: «الصالونات الأدبية ودورها في دعم النشاط الثقافي».
في عام 1995م كان الدكتور محمد المشوح، شأنه شأن كثير من الشباب المحبين للثقافة والأدب، حريصًا على حضور خميسية الجاسر، واثنينية الأستاذ عثمان الصالح، وأحدية الدكتور راشد المبارك ـ رحمهم الله جميعًا ـ، كما كان يتابع بشغف اثنينية الشيخ عبدالمقصود خوجة في جدة، إلى جانب اهتمامه بندوة الشيخ عبدالعزيز الرفاعي، رحمه الله.
وقد دفعه هذا الحضور الواعي والمسؤول لعدد من الصالونات الأدبية في الرياض إلى التفكير، بل إلى الطموح، لتأسيس منتدى ثقافي مماثل، يختلف عنها في طريقة تناول القضايا التي يطرحها الضيوف، ويمنح الشباب مساحة أوسع للحضور والمشاركة.
فلم يكن يريد أن تكون الموضوعات ذات طابع أكاديمي عميق كما في أحدية الدكتور راشد المبارك، ولا أن تظل نخبوية كما كان الحال في بعض الصالونات الأدبية آنذاك؛ لذلك عزم على تأسيس «الثلوثية»، ومنح ضيوفها فرصة للحديث عن تجاربهم الحياتية بأسلوب مبسط، واشترط عليهم ألا يكتبوا ما سيقولونه، بل أن يكون حديثهم عفويًا، يستعرض محطات حياتهم، ونجاحاتهم، وإخفاقاتهم، وتجاربهم بصورة مباشرة أمام الحضور.
كما اشترط أن يصطحب الضيف أبناءه معه، ليجلسوا بين الحاضرين، ويستمعوا إلى والدهم وهو يروي تجربته الحياتية بنفسه، في مشهد يجمع بين التوثيق، والتربية، ونقل الخبرة بين الأجيال.
ويقول الدكتور محمد المشوح عن فلسفة تأسيس «الثلوثية»، بعد مرور عشرة أعوام على انطلاقها، في مقال نشرته صحيفة عكاظ عام 2012م:
«الثلوثية هي نداء ثقافي جاء مستكملاً لعقد مجيد من المنتديات والصالونات الثقافية الموشحة في جبين الوطن. لقد تأثرت كثيرًا بصالونين اثنين لهما من الحظوة الثقافية والعبق التاريخي الكثير؛ أحدهما اثنينية عبدالمقصود خوجة، التي أكملت عقدها الثلاثين في توهج ثقافي بديع، وما زالت تورق وتثمر، والأخرى مجلس الأستاذ عثمان الصالح ـ رحمه الله ـ الذي بدأ ثم توقف بوفاة مؤسسه.
كنت في الحقيقة متطلعًا إلى مجلس أو منتدى يكون للشباب فيه صوت مسموع، يؤثر ويتأثر، ويحاور ويناقش، ويوافق ويعارض، ويختلف دون أن يخالف، ويستمع فيه الشباب إلى تجربة الكبار، وتاريخ الزمان، من أفواه الرواد وصناع الإنجاز.
فانطلقت الثلوثية بعزيمة وإصرار، رغم بعض الصعوبات، لكن بحمد الله تحقق كثير من الطموحات والتطلعات التي كنت أرجوها منذ انطلاق الثلوثية، حتى أكملت عقدها الأول.»
ويضيف الدكتور محمد المشوح، موضحًا أحد أسرار نجاح الثلوثية:
«التنوع هو سر نجاح المجالس الأدبية والصالونات الثقافية؛ إذ لم تقتصر على فئة دون أخرى، ولم تتخصص في مجال دون آخر.»
ولا يختلف اثنان على أن الصالونات الثقافية والأدبية تؤدي دورًا مهمًا ورسالة نبيلة في نشر الوعي، والإسهام في تثقيف المجتمع السعودي، فهي تمثل أحد أهم روافد المعرفة، وتمتد رسالتها لتكمل ما تؤديه الأندية الأدبية والمؤسسات الثقافية الرسمية، غير أنها تتميز بقدر أكبر من المرونة والحرية، وبقدرتها على استقطاب مختلف فئات المجتمع، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية التي قد تواجهها المؤسسات الحكومية، وهو ما جعل أثرها الثقافي يضاهي في كثير من الأحيان أثر مؤسسات رسمية عريقة.
معلومات للمقارنة
كنت قد كتبت عن «ثلوثية محمد المشوح» في كتابي «الصالونات الأدبية في المملكة العربية السعودية: رصد وتوثيق»، الصادر عام 1427هـ. وأورد هنا ملخصًا لما وثقته عن الثلوثية قبل واحد وعشرين عامًا؛ للمقارنة، وللتأكيد على أنها بقيت وفيةً للرؤية التي خطط لها مؤسسها الدكتور محمد المشوح، الذي استطاع ـ بعقلية المحامي ورجل القانون ـ أن يخضعها للتطوير المستمر بما تقتضيه متغيرات المرحلة، وفق منهجية متوازنة حافظت على أصالتها، وفي الوقت نفسه منحتها القدرة على التجدد والاستمرار.
وقد جاء توثيقي لها آنذاك على النحو الآتي:
1- اسم الندوة:
ثلوثية محمد المشوح.
2- موعد انعقادها:
تعقد مرة كل أسبوعين، مساء يوم الثلاثاء بعد صلاة العشاء.
3- أهدافها:
ذكرتُ لها في الكتاب ثمانية أهداف رئيسة.
4- مقرها:
حي الغدير بمدينة الرياض.
5- آلية انعقادها:
كانت الجلسة تبدأ بتلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم كلمة للمضيف، يعقبها تقديم الضيف من خلال سيرة ذاتية مختصرة تتناول أبرز إسهاماته ومنجزاته، ثم يتحدث الضيف عن تجربته أو موضوع اللقاء، مستعرضًا شيئًا من ذكرياته ومواقفه وإسهاماته. وبعد ذلك يُفتح باب الحوار والمداخلات، وقبيل ختام اللقاء يُفسح المجال للشعراء الحاضرين لإلقاء عدد من قصائدهم.
وقد شهدت هذه الآلية كثيرًا من التطوير والتجديد عبر السنوات، حتى وصلت إلى صورتها الحالية.
6- تاريخ التأسيس:
تأسست الثلوثية عام 1421هـ.
7- أبرز روادها:
من أبرز من حضرها في سنواتها الأولى: الدكتور حسن الهويمل، والدكتور عبد القدوس أبو صالح، والدكتور محمد الفاضل، والأستاذ عبدالله الحقيل، والأستاذ عثمان الصالح، والدكتور إبراهيم السماري، والشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، والدكتور عبدالرحمن المشيقح، والأستاذ حمد القاضي، والأستاذ عبدالله الوشمي، والدكتور عبدالله الحيدري، والدكتور عمر غرامة العمروي، والدكتور محمد الدبل، والأستاذ عبدالله السمطي، إلى جانب عدد كبير من الأدباء والمفكرين وطلبة العلم.
8- حصاد الثلوثية:
وثقت في كتابي آنذاك واحدًا وثلاثين عنوانًا من محاضراتها، أما اليوم فقد تجاوز رصيدها (218) لقاءً ومحاضرة، بما يعكس استمرارية هذا المشروع الثقافي وثراء عطائه.
9- التوثيق:
حرصت الثلوثية منذ انطلاقتها على توثيق جميع لقاءاتها صوتًا وصورة، وهو نهج ما زالت محافظة عليه حتى اليوم، مما كوّن أرشيفًا ثقافيًا مهمًا يوثق جانبًا من تاريخ الحركة الثقافية السعودية.
10- وسائل التواصل:
خصصت الثلوثية منذ وقت مبكر وسائل متعددة للتواصل، شملت الهاتف، والفاكس، والعنوان البريدي، ثم أنشأت موقعًا إلكترونيًا في مرحلة مبكرة نسبيًا، الأمر الذي منحها حضورًا متميزًا في الفضاء الرقمي قبل أن تتوسع منصات التواصل الاجتماعي.
11- مقر الثلوثية:
يقع مقر الثلوثية في منزل الدكتور محمد المشوح بحي الغدير بمدينة الرياض، وقد أُرفق في الكتاب مخطط يوضح موقعها.
-12 السيرة الذاتية:
أُرفقت كذلك في الكتاب سيرة ذاتية مختصرة للدكتور محمد المشوح، بوصفه مؤسس الثلوثية وصاحب فكرتها.
التأسيس
يقول الدكتور محمد المشوح في الكلمة التي ألقاها خلال حفل تكريمه في ثلوثية الدكتور عمر با محسون عام 1443هـ:
«في الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1422هـ، الموافق الخامس من فبراير عام 2002م، انطلقت أول ليلة من ليالي ثلوثية محمد المشوح.»
ويختصر هذا التاريخ بداية مشروع ثقافي ظل حاضرًا في المشهد الثقافي السعودي أكثر من عقدين من الزمن، محافظًا على رسالته، ومتجددًا في أساليبه، ومواكبًا لمتطلبات المرحلة.
أهداف الثلوثية
وحول أهدافها، يقول الدكتور محمد المشوح:
«كانت الطموحات مرتفعة، والآمال عالية، تلاحقها تحديات ومعوقات، لكن ثمة أهدافًا لا مناص منها، يأتي في مقدمتها استمرار الثلوثية توقيتًا ومنهجًا.»
وأشهد، كما يشهد غيري من المتابعين، أنه نجح في تحقيق هذا الهدف؛ إذ حافظ على استمرارية الثلوثية، قدر استطاعته، دون انقطاع، كما حرص حرصًا كبيرًا على جودة الضيوف، واختيار الشخصيات التي تمثل قيمة علمية أو فكرية أو وطنية، سواء من القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، ممن تركوا أثرًا في خدمة الوطن والمجتمع.
ولم يكن معيار الاختيار قائمًا على الشهرة وحدها، بل على قيمة التجربة الإنسانية، وما يمكن أن تضيفه للأجيال الجديدة من خبرات ومعارف ودروس مستفادة.
السر في التواصل
ومن أجمل ما كُتب عن أسلوب الدكتور محمد المشوح في التواصل مع ضيوفه ما سطره أستاذنا الدكتور إبراهيم الشمسان، حين وصف الطريقة التي دعاه بها إلى استضافته وتكريمه في الثلوثية قبل نحو عشرة أعوام، فقال:
«نريدك أن تكون ضيفنا في ثلوثية الأسبوع القادم.»
هكذا بدأ الاتصال بصوته الهادئ.
يقول الدكتور الشمسان:
«قلت له معتذرًا: والله إني لا أصلح لمثل هذه المقامات، فأنا أعيا من باقل.
فقال: لا، لا… كيف، وقد علّمت أجيالًا من طلاب العربية؟ ونحن لا نريد محاضرة علمية جادة، بل حديثًا ثقافيًا يسيرًا.
قلت: حديثًا عن أساتذتي؟
قال: ممتاز.
قلت: على بركة الله.
ثم فوجئت بعد ذلك برسالة عبر (الواتساب) من أخي الدكتور محمد المشوح، تضمنت تغريدة منشورة في حساب دار الثلوثية، جاء فيها:
“تحتفي ثلوثية محمد المشوح مساء الثلاثاء القادم بالدكتور إبراهيم الشمسان (أبو أوس)، وتكرمه.”
فلم أملك إلا أن أعلق بقولي:
“بارك الله فيكم، وحفظكم، ورعاكم، وأدامكم سدنةً للعربية، ورعاةً لطلابها».
وهذا الموقف ليس حالة استثنائية، بل هو نموذج يتكرر مع معظم ضيوف الثلوثية، كلٌّ بما يناسب مكانته وظروفه. وهو يعكس جانبًا مهمًا من شخصية الدكتور محمد المشوح، القائمة على حسن التواصل، ولطف العبارة، وصدق التقدير.
ولعل هذه الصورة التي رسمها الدكتور إبراهيم الشمسان تختصر سرًا من أسرار نجاح الثلوثية؛ إذ استطاع مؤسسها أن يكسب قلوب ضيوفه قبل حضورهم، بما يغمرهم به من التقدير، وحسن الاستقبال، وكرم الوفادة، ونبل الخلق، حتى أصبحت الثلوثية مجلسًا يجمع بين الثقافة والإنسانية، وبين الحوار والوفاء، في آنٍ واحد.
تطور الثلوثية
في تقديري، مرت ثلوثية الدكتور محمد المشوح بعدد من المراحل التاريخية التي انعكست على طبيعة برامجها، ونوعية ضيوفها، وأساليب تقديمها، حتى أصبحت اليوم إحدى أبرز المنابر الثقافية الأهلية في المملكة.
أولًا: الأمسيات الأدبية
حظي الأدب، ولا سيما الشعر، بمساحة واسعة من برامج الثلوثية في سنواتها الأولى؛ إذ احتضنت أمسيات أدبية لعدد من الشعراء والأدباء، من أبرزهم: الدكتور زاهر بن عواض الألمعي، والشاعر عبدالله الصيخان، والشاعر محمد الثبيتي، والدكتور عبدالله الوشمي، إلى جانب عدد من الأسماء الأدبية المعروفة.
وقد أسهمت تلك الأمسيات في ترسيخ حضور الثلوثية في الوسط الأدبي، وجعلتها محطةً مهمة للحوار الثقافي، وتبادل الرؤى، والاحتفاء بالإبداع.
ثانيًا: أمسيات التكريم
ومع مرور الوقت، اتجهت الثلوثية إلى توسيع دائرة اهتمامها، حتى أصبحت واحدة من أبرز المبادرات الوطنية في نشر ثقافة التكريم والاحتفاء بالرواد.
فلم يقتصر اهتمامها على الأدباء والمثقفين، بل امتد ليشمل العلماء، ورجالات الدولة، والأكاديميين، ورجال الأعمال، والإعلاميين، وكل من أسهم في خدمة الوطن، وترك أثرًا في مجاله.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يصفها عدد من المتابعين بأنها «أيقونة التكريم»؛ لما قدمته من نموذج راقٍ في الاحتفاء بالرموز الوطنية، وتوثيق منجزاتهم، وتعريف الأجيال الجديدة بسيرهم وتجاربهم.
وقد تجاوز مفهوم التكريم في الثلوثية حدود الاحتفال التقليدي؛ إذ تحول إلى مشروع ثقافي متكامل يوثق مسيرة الضيف، ويبرز منجزاته، ويتيح له أن يروي تجربته بنفسه، في لقاء يجمع بين التوثيق، والحوار، والإلهام.
خدمة المكتبة السعودية
لم يقتصر أثر الثلوثية على جلساتها الأسبوعية، بل امتد إلى فضاءات أوسع؛ فمن خلال حسابها في منصة X، وموقعها الإلكتروني، ودار النشر التي تحمل اسمها، أسهمت في إثراء المحتوى الثقافي العربي، وإضافة رصيد معرفي متجدد إلى المكتبة السعودية، الورقية والرقمية.
كما أسهمت في توثيق سير الشخصيات الوطنية، وحفظ كثير من التجارب الإنسانية والعلمية والإدارية، التي ربما لم تكن لتُروى بهذه الصورة لولا هذا المشروع الثقافي.
ومن أبرز ما يميز الثلوثية أنها نجحت في اختصار المسافات بين الأجيال؛ فمنحت الشباب فرصة نادرة للجلوس إلى العلماء، والأدباء، ورجالات الدولة، والمفكرين، ورواد العمل العام، والاستماع إليهم مباشرة، في أجواء يسودها الحوار والاحترام.
وهذا ما كان يطمح إليه الدكتور محمد المشوح منذ تأسيس الثلوثية، حين أراد أن يكون للشباب صوت مسموع، يتأثر ويؤثر، ويحاور ويناقش، ويختلف دون أن يخاصم، ويستمع إلى تجارب الكبار، وتاريخ الوطن، من أفواه الرواد وصناع الإنجاز.
ولم يقتصر هذا الأثر على الحاضرين في المجلس، بل امتد إلى جمهور أوسع عبر التسجيلات المرئية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والإصدارات المختلفة، فأصبحت الثلوثية مصدرًا معرفيًا مفتوحًا، ومرجعًا مهمًا لتوثيق جانب من الذاكرة الثقافية السعودية.
في الختام
نجحت ثلوثية الدكتور محمد المشوح في تجديد فكرة الصالون الأدبي، وإحياء روح المجالس الثقافية التي ازدهرت في عواصم الحضارة الإسلامية، ولكن بصيغة عصرية تحمل الكثير من شخصية مؤسسها؛ المحامي الدكتور محمد المشوح، ومنهجه في الإدارة، ورؤيته في بناء الحوار، وإيمانه بأهمية الاستثمار في الإنسان قبل المكان.
وقد منحت الثلوثية الشباب فرصة ذهبية للالتقاء بالعلماء، والأدباء، والمفكرين، ورجالات الدولة، ورجال الأعمال، وغيرهم من أصحاب التجارب الثرية، لينهلوا من خبراتهم، ويتعرفوا إلى مسيرتهم، ويستفيدوا من دروس النجاح والإخفاق التي صنعت تلك التجارب.
وفي المقابل، منحت أصحاب تلك التجارب مساحة إنسانية فريدة للحديث عن حياتهم بعيدًا عن الرسميات، فأصبحوا يروون سيرهم بألسنتهم، ويستحضرون محطاتهم أمام أبنائهم، وأصدقائهم، ومحبيهم، ورواد الثلوثية، في مشهد يجمع بين التوثيق، والوفاء، ونقل الخبرة إلى الأجيال.
ولم ينته أثر هذه اللقاءات بانتهاء أمسياتها؛ إذ يمتد في صباح اليوم التالي عبر ما تنشره الثلوثية في منصاتها الإعلامية وحساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول تلك اللقاءات إلى مادة معرفية موثقة، تظل متاحة للباحثين والمهتمين، وتسهم في حفظ جانب مهم من الذاكرة الثقافية السعودية.
كما نجحت الثلوثية في مد جسور التعاون مع عدد من الجامعات والمؤسسات الثقافية داخل المملكة وخارجها، إيمانًا منها بأن الثقافة رسالة تتجاوز حدود المكان، وأن المعرفة تزداد قيمة كلما اتسعت دوائر تداولها.
لقد أسست الثلوثية، باختصار، نموذجًا سعوديًا متميزًا للمثاقفة، جمع بين أصالة المجلس العربي، وروح المنتدى الثقافي، وأدوات العصر الحديث، فغدت منبرًا وطنيًا للحوار، وفضاءً رحبًا لتبادل الخبرات، ومنصةً لتكريم الرواد، وتوثيق سيرهم، وإبراز منجزاتهم.
ويُعد تأسيس مؤسسة محمد المشوح الثقافية مظلةً نظاميةً لهذه التجربة الرائدة، وضمانةً لاستمرارها وتطويرها، بما يحفظ رسالتها، ويؤمّن استدامتها، ويجنبها ما تعرضت له كثير من المنتديات الثقافية الخاصة التي توقفت بانقطاع مؤسسيها.
وإذا كانت المؤسسات الثقافية تُقاس بقدرتها على صناعة الأثر، فإن ثلوثية الدكتور محمد المشوح استطاعت، خلال أكثر من عقدين، أن تصنع أثرًا يتجاوز حدود المجلس، ليغدو جزءًا من الذاكرة الثقافية السعودية، ونموذجًا يُحتذى في العمل الثقافي الأهلي، القائم على المبادرة، والاستمرارية، والإخلاص، والوفاء للثقافة وأهلها.
وأخيرًا
أتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور ظافر بن غرمان العمري، الذي وقف خلف هذا الحفل دعمًا ومتابعةً، وترأس لجنته العليا، فكان لجهوده الواضحة أثرٌ كبير في نجاحه.
كما أتوجه بالشكر إلى جمعية التنمية الأهلية ببني عمرو، ممثلةً في رئيس مجلس إدارتها الدكتور عوض بن صالح العمري، وإلى أعضاء مجلس الإدارة كافة، على جهودهم المباركة في تنظيم هذا الاحتفاء، وعلى ما يبذلونه من أعمال مشهودة في خدمة المجتمع والثقافة، سائلًا الله تعالى أن يبارك في جهود الجميع، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والازدهار، وأن يوفق كل من يعمل بإخلاص لخدمة الثقافة والوطن.

