سهوب بغدادي
فيما تتمثل فكرة أنسنة المدن في تعزيز البعد الإنساني بما يتوافق مع احتياجاته ويصب في صلب جودة الحياة والارتقاء بها في أطر عديدة، تشمل سهولة الوصول وتحسين البعد العمراني بما في ذلك الهوية البصرية وتسهيل تنقل الأشخاص من مختلف الفئات كإيجاد تسهيلات وبنى تحتية ومسارات ملائمة لذوي الإعاقة وذلك مثالًا لا حصرًا، كذا زيادة المساحات الخضراء وتوفير الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي تعنى بكافة الأعمار وشرائح المجتمع من مواطنين ومقيمين، إذ تعد أنسنة المدن مبادرة فريدة من نوعها تصب في تعزيز المبادرات الوطنية وتتماشى بشكل رئيس مع مجمل أهداف الجهات الحكومية والمؤسسات التي تسعى لتحقيق ذات المفهوم، سواء كان ذلك في مجال السياحة، أم الثقافة وعكس الهوية الوطنية والموروث العريق للدولة، في هذا الموضع، نأخذ المدينة المنورة أنموذجًا حيًا لمفهوم أنسنة المدن السعودية، إذ نرى أن العديد من زوارها يفضلون التنقل عبر المشي نظرًا لرحابة الشوارع وتوافر الخدمات في أغلب الأماكن وملاءمتها لكافة الشرائح واحتياجاتهم، فنجد أن المنطقة المركزية تضم كافة الخدمات من مطاعم وأسواق وصيدليات وعيادات طبية ومتاحف ومناطق أثرية وبالتأكيد تواجد المسجد النبوي، إلى جانب توافر عربات الجولف المجانية لنقل الزوار بين أبواب المسجد الحرام وبعض المناطق الحيوية كمسجد قباء.
أكتب لكم الآن من قلب الحدث، بعد غياب عن طيبة الطيبة لمدة تقارب تسع سنوات، وهي كفيلة أن تجعلني أنبهر بما رأيت، لقد لمست التغيير الكبير في زيارتي الحالية من خلال جميع المعطيات والخدمات والتسهيلات المذكورة وأكثر، علاوةً على حفاوة أهل المدينة وشبابها وشاباتها من العاملين في القطاع السياحي والفندقة ابتداءً من الإرشاد السياحي وإتقانهم اللغات العديدة وصولًا إلى احترافيتهم في تقديم الخدمات للنزلاء، لذا تأتي المدينة المنورة أنموذجًا حيًا وناجحًا لأنسنة المدن، كما نتطلع لأن يتحقق ذات المفهوم في كافة مدن ومناطق المملكة بما يتوافق مع طبيعتها وخصائصها وتراثها لعكس الهوية الوطنية والارتقاء بمنظومات عديدة تباعًا بإذن الله.

