: آخر تحديث

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

4
4
5

قالوا، وخير القول قول العارفين، إن «الجغرافيا ظل الله على الأرض، والتاريخ ظل الإنسان على الطبيعة».

حديث الجغرافيا يعود بنا إلى الاجتماع التشاوري الذي عُقِد، ليلة الأربعاء الماضي، في الرياض، وشارك فيه وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، في محاولة للتعاطي مع الأزمة الإيرانية المنفلشة في المنطقة.

عوَّدتنا الدبلوماسية السعودية على الحسم والحزم، في مواجهة الملفات الساخنة والمهددة لأمن وأمان الشعوب الشقيقة، ودول الجوار، لا سيما حين تدلهِمّ الخطوب، الأمر الذي يتضح جلياً من خلال ثنايا البيان الصادر عن الاجتماع.

المثير والخطير هو أنه ليلة انعقاد هذا الاجتماع التشاوري، بدت النيات الإيرانية واضحة، بقصف صاروخي على العاصمة السعودية وعدد من دول الخليج، وكأنها تبعث برسالة استباقية، مفادها أنه ما من شيء يردعها عن الغي السادر الماضية فيه قدماً لا تلوي على شيء.

تبدو القيادة الإيرانية المنهكة، وكأنها تهرب إلى الأمام، بتصدير أزماتها الناجمة عن رعونتها السياسية طوال قرابة خمسة عقود.

في هذا السياق، تغفل إيران عن النظرة الويستفالية لدول الجوار، بمعنى أنها دول ذات سيادة، لا يمكن ترويع شعوبها الآمنة، أو تهديد سلامة أراضيها، وتبعات ذلك عليها وعلى أمن الشرق الأوسط، ما سيكلفها تكاليف عالية وغالية، وسيلقي بظلال على علاقاتها بدول وشعوب المنطقة التي لن تقف موقف المتفرج أمام تهديد مقدراتها.

هل من توصيف لواقع إيران الحالي، بعد الدخول في الأسبوع الثالث من المواجهات التي أعادتها كثيراً إلى الوراء على مختلف الأصعدة، سواء العسكرية أو المدنية، والأكثر الأخلاقية؟

قبل الجواب، ربما يتوجب تنشيط ذاكرة القارئ، بأن عواصم دول المنطقة، وفي مقدمها الرياض والدوحة ومسقط، لم تتوانَ في السعي من أجل تجنيب إيران أولاً والمنطقة تالياً، ويلات الحرب.

اليوم تبدو طهران وكأنها كالغريق الذي يود أن يسحب معه، إلى قاع البحر، مَن حوله، في سياق رؤية شمشونية لهدم المعبد عليه وعلى أعدائه، غير أن الحقيقة هي أن الكراهية لا تفيد، والعداوة لا تُعبد جسوراً للحوار، بل تقيم جدراناً في القلوب والعقول.

تخبرنا أضابير التاريخ أن الحروب، ومهما اشتد وطيسها، لا بد لها يوماً من أن تنتهي، وإيران ذاتها قد خبرت في العقود الحديثة هذه التجربة، فقد عاشت قرابة ثماني سنوات حرباً ضروساً مع العراق. وفي نهاية المشهد، تجرع الخميني كأس السم، في إشارة إلى قبوله وقف إطلاق النار، بعد أن تعرضت بلاده لمعارك طاحنة مع العراقيين، وحتى مع الأميركيين في معركة «فرس النبي» عام 1988 التي تكبدت فيها طهران أكثر من نصف أسطولها.

لكن ماذا بعد انتهاء الحروب؟ ستبقى الشعوب، وستحفظ ذاكرة الأمم ما جرت به المقادير، وسيقص الشيوخ على الأحفاد نوازل ما جرى؛ إن كان خيراً أو شراً.

والشاهد أنه ما بين الجغرافيا والتاريخ تدور حياة الكائن البشري، وتنشأ الأمم والمجتمعات. تقوم الحضارات وتتعاقب الأجيال، تتعاون تارة وتتصادم تارة أخرى، تعيش الصفو عقوداً والكدر عقوداً أخرى، لا سيما بين الدول التي تربطها حدود جغرافية قدرية، لا يمكن لها أن تتعدل أو تتبدل.

في مؤلفه الرائع «انتقام الجغرافيا... ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير؟»، يخبرنا الكاتب والمؤلف الأميركي روبرت د. كابلان عن مفاعيل الجغرافيا، وكيف أنها قادرة على أن تخلق حياة مزدهرة، حين تغيب صراعات الحدود، وتختفي تهديدات الجيران القدريين، أو العكس.

الكارثة فيما تقوم به إيران مؤخراً تعميق مشاعر الرفض الإقليمي والعالمي لها؛ ذلك أنها عبر سعيها المستمر لإلحاق الأذى بالممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، تعمل على إصابة الاقتصاد الدولي في سويداء القلب، وتستعدي القوى الكونية التي لن توفر مزيداً من القوة لإجبارها على تقويم مسارها، ما سينعكس مجدداً بالسلب ولعقود طوال على «جيرانها القدريين».

يخطر لنا أن نسأل: هل تقود الجغرافيا الطبيعية لصراعات البشر، أم أن إرادات الحياة والعيش الإنساني، والبحث عن مسارب للسلام، يمكنها أن تتجاوز أزمات الجيرة القدرية، إن جاز التعبير؟

على إيران مغادرة متلازمة المواجهة الحتمية، والاقتناع بالتعايش السلمي. هذه رسالة «تشاوري الرياض» الرصينة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد