هكذا إذاً أصبح العالم اليوم، يُقاد وبشكل مهووس خلف كل ما هو مشهور وترند، وبغض النظر عن الجدوى أو الجودة أو حتى خصوصية الذوق والتوجه، انقياد أعمى وبشكل مطلق، يطرح سؤالاً هنا حول مدى تمتّع الجيل الحالي أو جيل زد، ومعه جيل ألفا، كما يطلق عليهم، بالحرية التي ينادون بها كل يوم، ويحملونها شعاراً في كل مناسبة، فإذا كانت حرية الذوق في حكاية الوردة هذه قد غابت وبشكل مخيف، فما هو حال الحرية كمفهوم عام إذاً لدى هذه الأجيال؟
لكل جيل سماته الخاصة، لكن جيل زد مختلف من حيث استيلاء التكنولوجيا على إرادته وذوقه وتوجهه وحريته أيضاً، وذلك بعد أن ألغت سطوة نفوذ وسائل التواصل كل الاختلافات الخاصة، والتي طالما شكّلت نكهة مهمة في التمييز بين الفروقات والأذواق، التي هي من طبيعة التكوين البشري.
في نهاية الستينيات ظهرت حركة أطفال الزهور أو الهيبيز، والتي نادت بالسلام والحب والحرية، ورفض الاستهلاك والرأسمالية المتوحشة، كانت حركة جيل تحمل هدفًا ساميًا، والزهرة فيه كانت رمزاً للسلام بدلًا من العنف.
كان جيل الزهور يحمل برنامجًا أمميًا، يرفض الحروب ويدعم الحريات الفردية، وقد لا يكون ذلك الجيل قد حقّق حلمه بشكل كامل، لكنه أرسى مفهوماً للسلام، وأثّر حراكه حينها في قرارات الحروب والسياسة.
«جيل زد» اليوم يأتي بمشروع افتراضي، أملته عليه تكنولوجيا مخيفة ووسائل تواصل اجتماعي مهيمنة وسلطوية في نهجها، تفرض عليه ما يأكل وما يلبس وما يتمنى وما يستسيغ، جيل محاصر بسوق سريع وشره، جعله فريسة سهلة للقلق النفسي والإرهاق الرقمي، والشعور بالعجز السياسي، وبينما سعى جيل الزهور الى تغيير العالم، بما كان بحوزتهم من أدوات ضغط، ينسحب جيل زد ويكتفي بالتمني بألا يحدث دمار أكثر في العالم.
حركة الأجيال دائرة مستمرة لا تتوقف أبدًا، لكل جيل فكره وهويته ووعيه، بدأً بجيل الصامتين قبل الحرب العالمية الثانية، والذين كانوا يخشون الفوضى، الى جيل الزهور الذي حمل أيديولوجيا مختلفة، ثم جيل العولمة الذي رأى في التوازن بين العمل والحياة مدخلاً ناجحًا للبقاء، ووصولًا الى جيل زد، جيل السرعة والقلق واللا توازن. وعبر كل تلك الأجيال، يبقى البحث عن معنى للحياة كأبرز معالم الوعي والبحث لدى من عاشها ويعيشها.
لكن يبقى جيل زد ومعه جيل ألفا، في متاهة اليقين، ولربما أكثر بكثير ممن سبقهم من أجيال، فهم أكثر الأجيال عرضة للأزمات الاقتصادية والحروب المتكررة، هم الجيل الذي يرى في المستقبل مجهولًا مخيفًا، ويشهد تراجعاً هائلاً في القيم المألوفة والأديان الباعثة على اليقين عند بعضهم.
جيل فقد الثقة بالمؤسسات القائمة، جيل توجّهُهُ الآلة، تكتب له وترسم له، وتفكر عنه، وتُملي عليه حاسة التذوّق والانبهار.
جيل أصبح غريبًا ومغتربًا عن محيطه، بل وحتى عن نفسه، تُحدّد ذوقه لافتة تصبح ترنداً، ويحدد ذوقه ووعيه وإدراكه وخصوصية رغباته كل ما يبثه الآخرون والافتراضيون في فضاء التكنولوجيا.

