التصريحات الصادرة من الجانبين الأمريكي والصيني، أثناء وبعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي بلينكن إلى العاصمة الصينية بكين تبدو في ظاهرها إيجابية، وتوحي بأن الطرفين وصلا إلى تفاهمات حول العلاقات المشتركة، وكذلك حول سبل إدارة الخلافات بينهما.
استمع المسؤولون الصينيون من بلينكن إلى تطمين أمريكي بأن واشنطن لا تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الحلفاء لأية مواجهة مع الصين، وأنها لا تدعم استقلال تايوان، رغم أن المؤشرات الفعلية لا تشير إلى ذلك تماماً، ولا يمكن نسيان الزيارة الاستعراضية لتايوان التي قامت بها الرئيسة السابقة للكونغرس، الديمقراطية نانسي بيلوسي، في حركة استفزازية لبكين، ناهيك عن المناورات العسكرية المتكررة في الجزيرة أو حولها التي لم تكن أمريكا بريئة منها، ولكن هذا لا يمنع، من جهة أخرى، أن دوائر صنع القرار في واشنطن قد ارتأت تهدئة اللعب مع بكين لما تنطوي عليه المواجهة من مخاطر جمة، وأن زيارة بلينكن تأتي في هذا السياق.
صحيح أن الزيارة ليست ابنة وقتها، فهي كانت مقررة قبل شهور، لكن واشنطن ارتأت تأجيلها بعد الإعلان عن اكتشاف منطاد صيني في الأجواء الأمريكية قيل إنه لأغراض تجسسية، وسبق للرئيس الأمريكي بايدن أن التقى الزعيم الصيني شي جين بينغ في بالي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لكن المؤكد أن الحاجة لتفاهمات أمريكية – صينية آخذة في الازدياد، لأسباب عدة، ليس أقلّها أهمية استمرار الحرب الأوكرانية الروسية.
ورغم أن الصين لم تعلن دعماً علنياً لموسكو في هذه الحرب، ولكنها أظهرت وتظهر تفهماً للأسباب التي حملت موسكو على البدء بها، وهو ما أعلن على لسان مسؤولين صينيين كبار، كما كانت الزيارة التاريخية التي قام بها الزعيم الصيني لموسكو قبل شهور قليلة، والأجواء الودية التي سادت مباحثاته مع نظيره الروسي بوتين، وتصريحاتهما حول تشكل نظام دولي جديد، قد أثارت قلقاً لدى واشنطن وحلفائها المنخرطين فعلياً، وإن بصورة غير مباشرة، في الحرب الجارية، من بلوغ التفاهم الروسي – الصيني مستويات أبعد مما هي عليه الآن.
يبدو أنه رجح في واشنطن الرأي بأنه لا يمكن التصعيد مع موسكو وبكين في الآن ذاته، فذلك سيخلق أرضية قوية للمزيد من التقارب بين البلدين الموجه ضد الغرب، وأنه من الأفضل السعي لتحييد بكين مؤقتاً، لتركيز الجهود في محاربة موسكو وعزلها. وللصين مصالح اقتصادية كبرى مع الغرب هي حريصة على استمرارها وتطوّرها، ويهمها التفاهم مع الغرب حول كل ذلك، لكن من المحال استدراجها لمعاداة موسكو، إدراكاً منها بأنها ستؤكل إذا أُكل «الدب الأبيض».

