الحرب الأهلية نمط من الحرب لا تختلف عن بقية أشكال الحروب، من حروب محدودة بين الدول، وحروب على مستوى العالم وهي المعروفة بالحروب العالمية، والمشترك الواحد الأصيل بينها كلها هو نية الإنسان واندفاعه وحماسه استعداده دون تردد أو إفراط لقتل أخيه الانسان. كانت ما كانت الأسباب، فعندما تتفاعل الأسباب ويتولد منها الحرب، فإن نية القتل هي السيدة الآمرة في ساحة الوغى، حيث الكَرُّ والفَرُّ إيغالاً في البطش لتأكيد القتل.. المحارب، في اية ساحة حرب كان، وظيفته الأساسية أن يَقْتُلَ حتى لا يُقْتَلَ، حتى أن القتل يصبح هدفًا نبيلًا، والقاتل يفتخر بعدد الذين قتلهم، ويتباهى بمواقع الجروح على خريطة جسمه، ولكنه رغم الجروح خرج من ساحة الشرف، أي ساحة القتل، بطلاً يشرف أهله ووطنه، وطبعًا يتوهم في ذات نفسه أن له حظوة عند سادته الذين غنموا كعكة الحرب، وفي واقع الأمر فإن سادته لا يهمهم عدد الضحايا من أبناء جلدتهم في وطنهم.
الحرب العالمية حدودها المجتمع البشري كله، والحرب الأهلية حدودها المجتمع الوطني كله، ومجازيًا صراع الأخوة على الميراث حرب في حدود الأسرة كلها. وحسب التاريخ ما قبل التَأْرِيْخِ فإن أول حرب، بنية القتل، اندلعت في البيت الواحد الوحيد، حين لم يكن في العالم كله إلاّ بيت واحد.
هذه الانطلاقة الأولى للحرب، أي تولد نية القتل عند الانسان، تفيد وتوحي كذلك بأن مسار الحرب تاريخيًا قد ابتدأت من البيت الواحد و من ثم المجتمع الواحد (حروب القبائل)، ومع ولادة الدول والأوطان امتدت أنفاس الحرب لتعم العالم كله، وكأن الحرب ولدت بموازاة ولادة أول إنسان، وهي كالإنسان تعيش تتنفس شهيقًا وزفيرًا وترافقه أينما حل وأينما رحل.
الحروب الأهلية تندلع من تفاعلات في بنية المجتمع الواحد، الوطن الواحد، أبناء المصير الواحد، وقد يمتد تأثيرها، بفعل التباين في الأفكار والمواقف، إلى البيت الواحد.. والتعبير الأدق لتشخيص «الحرب الأهلية» هو «الأخوة الأعداء»…
البنية الوطنية الواحدة المدفوعة، أو بتعبير أدق المنزلقة، إلى المواجهة تتفكك بفعل اختلافات أو تناقضات بين عناصر متنفذة لها مصالح عليا تتخطى مصالح الوطن، وطبعًا ليس لعامة الناس لا ناقة ولا جمل في معمعة تضارب المصالح العليا، ولكنهم، لسوء حظهم هم الذين يصبحون حطبًا لنيران حرب المصالح التي يسمونها، تسترًا خبيثًا لا مجازًا، بالحرب الأهلية. وهي ليست حربًا أهلية بالمعنى الإجمالي والدقيق للكلمة، ولكن الأهالي زجوا فيها دون إرادتهم، بفعل التأثير النفسي والعاطفة المندفعة غير المحمية بسواعد العقل وغسيل الدماغ عليهم. وغسيل الدماغ مهمة استراتيجية، أو رؤية مسبقة من ذوي المصالح العليا، وهي جريمة بحق الإنسان، تسبق الجريمة التالية وهي دفع الناس الأبرياء وزجهم في تقاتل فيما بينهم، وبعدها ترتفع أصوات وأقلام الإعلام لتنشر وتحلل وتفلسف حرب أهلية، وهي بالتعبير الأدق جريمة بحق الأهل. يتفكك المجتمع الواحد إلى فريقين متقاتلين، الحقد بينهما يتفجر ونيران الكراهية تشتعل، من حيث لا يدرون ولا يعون، واعتبارات الجيرة وحتى الأخوة تحترق، وترتفع شعارات القتل المتبادل… وهكذا يكون ميلاد جريمة في ذات الأهل الواحد (حرب أهلية).
نحن اليوم، مع دقات ساعاته التي تتوازى مع دقات قلوبنا، شهود على حرب بين أخوة كانوا بالأمس القريب «الأخوة الأحبة»، واليوم أصبحوا «الأخوة الأعداء».. قائد في جيش رسمي وقائد في جيش موازٍ للجيش الرسمي، وتشكل الجيش الآخر (الموازي) بسبب خطأ في حسابات سياسية غلبت عليها هواجس أو أوهام أمنية، والنتيجة يعاني منها الوطن اليوم المهدد بدفع الأهالي إلى جحيم التقاتل. ما زالت دائرة الحرب محصورة بين الجيشين، و هذه الحرب فتحت أبواب التدخل الخارجي والذي سيجعل من حرب التقاتل الداخلي الى حرب بالوكالة، وعندها يصبح القائدان الطموحان مجرد أدوات في أيدي قوى خارجية. كل قائد يهدد الآخر، ويصرخ بشعارات بطولية وحتمية الثبات في الحرب، وقد هدد أحدهما بالدفع، صراحة، إلى حرب أهلية، ولا داعي لهذا التهديد لأن الحرب الأهلية قائمة.. جيش وطني يقاتل جيشًا وطنيًا، أليست هذه حرب أهلية، أليس الجنود المتحاربون أهل وجيران وأخوة وأبناء عمومة.. ما الذي بقي من هذه الحرب المجنونة حتى لا نسميها «حربًا أهلية»؟!!!
أقرب تشبيه للحرب الأهلية هو «صراع الديكة»، إذ يستغل الإنسان الديك لتحقيق مكسب مالي كبير عبر الرهان على فوز ديك في تصارع بين ديكين. المراهنون، كل يدرب ديكه ويأتي به إلى ساحة العراك والرهان، ويدفعون ديكين للتصارع إلى أن ينتصر أحدهما في الاقتتال ويأخذ صاحب الديك حقه المالي من الرهان. الحرب الأهلية هي رهان بين أطراف لها مصالح، وتزج بالأهالي في الاقتتال من أجل كسب الرهان.. يا بؤس الأهالي الذين يدفع بهم في اقتتال لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا حتى التفاتة بعد كسب الرهان.
نقطة الانطلاق، أو الشرارة الأولى، التي تشعل الحروب كلها، والتقاتل بين الأخوة، هي النفس البشرية ذاتها، ومن لعنة الذات على ذاتها ذاك النمط من الحرب التي تحاربُ النفسُ ذاتَها ويكون نتاجها قتل النفس، والذي يسمى الانتحار.. إذا كانت النفس تحارب ذاتها، أي أن النفس لا تطمئن الى ذاتها، فكيف الاطمئنان الى ذات غيرها.. وهنا تكمن بذرة الحرب، فما دامت النفس لا تطمئن إلى ذاتها فالحرب قرينتها..

