إذا نظرنا، بأيّ مقياس من المقاييس، إلى ما تشهده تونس من تطورات، نصل إلى نتيجة واحدة خلاصتها أن "ثورة الياسمين" كانت فشلاً ذريعاً نظراً إلى أنّها جعلت التونسيين يترحمون على عهد زين العابدين بن علي.
لغة الأرقام تتحدث بنفسها عن انهيار الاقتصاد التونسي والقطاعات التي قام عليها هذا الاقتصاد، خصوصاً في سنوات عهد بن علي بين 1987 و2010. يصعب تجاهل توسّع الطبقة المتوسطة في تونس رغم كلّ الشوائب التي رافقت عهد الرئيس السابق في السنوات الأخيرة منه عندما راحت زوجته ليلى طرابلسي، مع أفراد عائلتها، تلعب أدواراً كان يفترض أن تبقى بعيدة عنها، في مجال التحكّم بمفاتيح الاقتصاد التونسي...
يبدو فشل قيس سعيد فشلاً اقتصادياً قبل أي شيء، خصوصاً مع دخول البلد مرحلة الانهيار في غياب شخصيات تتمتع بالكفاءة تعالج ما تعاني منه تونس. كانت أهمّية بن علي في أنّه استعان دائماً بشخصيات تمتلك مؤهلات تساعد في تحسين أداء الإدارة من دون عقد. كانت عقدته الوحيدة، قبل أن تصبح زوجته الثانية (ليلى طرابلسي) شريكاً في اتخاذ القرار، عدم تحمله بروز أي شخصية أخرى تمتلك ولو القليل من الحيثية السياسيّة في البلد.
لم يتوافر لدى قيس سعيّد قليل القليل من حسنات بن علي. سياسياً، هناك توجّه في تونس إلى قيام نظام ديكتاتوري جديد يجعل من زين العابدين بن علي، الذي خلف الحبيب بورقيبة، ملاكاً مقارنة بما يقوم به قيس سعيّد منذ انتخابه رئيساً في تشرين الأوّل (أكتوبر) العام 2019.
خاض قيس سعيّد انتخابات 2019 كمستقل تدعمه حركة "النهضة" وآخرون من مختلف التوجهات السياسية. لم يكن هناك من يتصور انقلابه على "النهضة". لكنّ الذين يعرفون تونس جيداً ويعرفون خصوصاً شخصيّة قيس سعيّد يقولون إنّه انقلب على شخص راشد الغنوشي بالذات وليس على "النهضة"، فهو إسلاميّ الهوى مثله مثل راشد الغنوشي. ما يميّزه عن زعيم "النهضة" الموجود في السجن حالياً أنّه يجمع بين الفكر السياسي الديني واليسار الطفولي الذي يذكّر بالماويين والتروتسكيين وما شابه هؤلاء.
في حملته الانتخابية في 2019، سعى قيس سعيّد إلى جذب الناخبين الشباب، وتعهد مكافحة الفساد. لم يعد في تونس اقتصاد منتج حتى يمكن الحديث عن مكافحة الفساد. تحدّث عن تطوير النظام الانتخابي. طوّر بالفعل النظام الانتخابي ولكن نحو الأسوأ، أي في اتجاه إلغاء الحياة السياسيّة في تونس وتسخيفها.
بدأت التحولات في تونس في كانون الثاني (يناير) من العام 2021، مع الاحتجاجات التي استهدفت حكومة المشيشي التي لم تكن بعيدة من حركة "النهضة". استغلّ الرئيس التونسي الاحتجاجات كي يعلّق نشاط مجلس النواب ويعزل الحكومة. أثار ذلك أزمة سياسية لا تزال تتفاعل... وصولاً إلى اعتقال راشد الغنوشي في السابع عشر من نيسان (أبريل) الماضي. سبقت ذلك موجة اعتقالات لشخصيات تونسيّة من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية والتوجهات السياسيّة تحت شعار مواجهة "المؤامرة".
مؤامرة على من ومن أجل تحقيق أي هدف؟ لم تعط السلطات التونسيّة، إلى الساعة، أي تفسير لموجة الاعتقالات التي نفذتها بهدف واحد هو إسكات كلّ صوت يقول كلمة حقّ... أو ينتقد!
حسناً، كيف سيوظّف قيس سعيّد اعتقال الغنوشي والاعتقالات التي سبقته؟ هل سيسمح له ذلك بتدجين "النهضة" التي دعمته في الماضي خشية انتخاب رئيس ليبرالي منفتح على أوروبا وأميركا تحديداً وعلى المؤسسات الماليّة الدوليّة التي في استطاعتها مساعدة تونس في مجال استعادة عافيتها الاقتصاديّة في حدّها الأدنى؟
ليس هناك ما يشير إلى أن قيس سعيّد على استعداد للقيام بأي مراجعة. لم يفكّر حتّى في الأسباب التي جعلت المواطن التونسي يقاطع الانتخابات التشريعية الأخيرة. من الواضح أن هناك خوفاً كبيراً على تونس في ظلّ إصرار رئيسها على رفع شعارات مضحكة مبكية واتباع سياسة بائسة على الصعيدين العربي والأفريقي... وفي غياب فريق عمل فعّال قادر على الخروج من وضع اقتصادي يتدهور يومياً.
ليس مهماً وضع راشد الغنوشي في السجن، علماً أنّ الرجل يستحقّ محاكمة عادلة لكلّ تاريخه الأسود. لعلّ أوّل ما يجب أن يحاكم عليه الغنوشي استغلال مرحلة ما بعد "ثورة الياسمين" وخروج زين العابدين بن علي لحشو دوائر الدولة بموظفين من حركة "النهضة". حوّل القطاع العام إلى عبء على تونس ومؤسساتها واقتصادها وعلى الشعب التونسي نفسه.
من يضع حدّاً للانهيار التونسي؟ الأكيد أن شخصاً مثل قيس سعيّد عاجز عن ذلك. تحتاج تونس إلى تغيير كبير في الذهنية الحاكمة. تحتاج تونس إلى مجموعة من السياسيين على علاقة بما يدور في المنطقة والعالم ولديهم دراية في الاقتصاد أيضاً.
الخوف أن يكون فات أوان إنقاذ تونس ما دام رئيس الجمهوريّة فيها يصرّ على احتكار السلطة واستبعاد أي شخص يستطيع المساهمة في كسر الحلقة المقفلة التي يدور فيها البلد. تدور تونس على نفسها منذ قرّر التونسيون انتخاب رئيس هو كناية عن أستاذ جامعي متقاعد يجمع بين ثقافة "الإخوان المسلمين" والمزايدات العروبيّة والأفكار اليسارية التبسيطية والساذجة... لم يدرك التونسيون في خريف العام 2019 أنّ خيارهم وقع على ديكتاتور جديد لن يتردّد في أخذ بلدهم الوديع إلى الهاوية!
خوف على تونس التي تدور على نفسها
مواضيع ذات صلة

