: آخر تحديث

الماديّة الإعلامية في رمضان

32
40
29
مواضيع ذات صلة

ماذا لو قلنا: المحتوى الاستهلاكي في الإعلام الرمضاني؟ يجب الاعتراف بأن العنوان فضفاض، أوسع من أن يكون على مقاس العمود. لا شك في أن ما تبثّه الفضائيات في الشهر الفضيل أكبرُ نسبةٍ منه يمكن عرضها في سائر شهور العام، بل إنّ بعض المسلسلات يُعدّ بثّه منافياً لقيم رمضان. التعليق الأنسب على هذه الظاهرة هو قول دستويفسكي: «حين يُخفق الذكاء يتدخل الشيطان»، حين يخون الإبداع ُالمنتجين يتحرّشون بحرمة الفضيلة.

جميل أن يطّلع المشاهد المسلم على الموائد الرمضانية، في سبع وخمسين دولة إسلامية، فهذه ثقافة سياحية وسياحة ثقافية مفيدة ومثرية، لكن ماذا عن الأدب الصوفي والشعر العرفاني في تلك البلدان؟ ماذا نعرف من الموائد الروحية الإندونيسية؟ نفوس إندونيسيا 275 مليون نسمة على 1.9 مليون كيلومتر مربع؟ ماذا عن ألوان الموسيقى الصوفية في دول العالم الإسلامي؟ ماذا نعرف عن الحياة الروحية وأدبها وفنونها العرفانية لدى 195 مليون مسلم في الهند؟ ما هي الجذور المشتركة بين موسيقاهم الصوفية وبين ألوان الموسيقى الهندية، الهندوستانية شمالاً والكارناتاكية جنوباً؟

في باكستان مثلاً، التي كانت جزءاً من شبه القارّة الهندية، لا تزال أجناس الموسيقى الروحية، كالإنشاد لدى «القوّالين»، وهو مدائح وأذكار، والإنشاد الصوفي، ورائدته الشهيرة «عابدة بروين»، تحمل آثاراً من الموسيقى الأصيلة الهندية التي تعود جذورها إلى مئات السنين، والتي تعرف إلى اليوم باسم «راجا»، ومعنى الكلمة: الحال. والحال من أهم المصطلحات في التصوف الإسلامي، فالعرفاء يسمّون «أهل الحال». جاء في كتاب «كشف المحجوب» للصوفي الكبير الهجويري (القرن الخامس الهجري): «الحال سكوت اللسان في فنون البيان». هذه أيضاً كلمات ليست كالكلمات.

الطريف هو أن ما تبثّه الفضائيات العربية من فنون المطبخ في رمضان، وطوال السنة، يلعب دوراً توعويّاً عكسيّاً سياسيّاً واقتصاديّاً من الوزن الثقيل المقيت، فهي تؤجّج نفوس ما تحت خط الفقر، ببيت محمد إقبال في حديث الروح: «قيثارتي ملئت بأنّات الجوى.. لا بدّ للمكبوت من فيضانِ». القيثارة هنا لا علاقة لها بالموسيقى، ولا لهذه الروح من صلة بالتصوف. المطابخ التلفزيونية العربية توهم «الرأي العائم» النائم في الاقتصادات الكسيحة، في التنميات المتعثرة بأن تلك الموائد طعام لكل فم، وبأنه لا شيء أيسر من كيلو روبيان، وكتف خروف وسلّة فواكه وفستق وبندق وصنوبر وجوز لإعداد «التحلاية».

لزوم ما يلزم: النتيجة التسهيلية: ذريعة ضيق ذات اليد للإنتاج باطلة، فالإعداد الجيّد يغني عن سفر فرق عمل إلى تلك البلدان. أمّا الموائد فإحدى الشاشات العراقية ابتكرت للفقراء منذ سنوات برنامج «فطوركم علينا».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد