ما رأيك في قول خبراء الزلازل إنه لا يمكن التنبؤ بأوان وقوع الكارثة؟ لكنهم يناقضون أنفسهم، فهم يعترفون بأنهم يعرفون أن هزّات عنيفة، وربما مدمرة، ستقع عاجلاً أو آجلاً في تلك المنطقة من خط الزلازل، سوى أنهم لا يعلمون متى ستقع الواقعة. هذا في حد ذاته ثلاثة أرباع العلم والتنبؤ.
يترتب على ذلك أمران مهمّان حيويّان، بمعنى ضروريان لا تستقيم الحياة من دونهما. الأول: وعي الفرد والأسرة والمجتمع بأن السكن في تلك المنطقة، ببناء منزل لا تتوافر فيه مقوّمات السلامة، هو يقيناً مقامرة بالأرواح، طال الزمن أو قصر. على العاقل هنا أن يتصرف قليلاً في بيت المتنبي فيقول: «رقدتَ وما في الموت شكٌّ لراقدٍ..كأنك في جوف الردى وهو هاضمُ».
كل الثناء على علماء طبقات الأرض وخبراء مراكز الزلازل إذا هم أعلموا الخلائق في منطقة ما بأنهم فوق فوهة بركان يسرحون ويمرحون عليها، يأكلون ويشربون ويعملون ويتكاثرون وينامون، على سطح صفيح ساخن، وهم عن سوء العاقبة غافلون. الذكاء سند للوعي، فقسوة الطبيعة لا تحمي من لا يحسب للفجائع حساباً. إذا تعذّر البنيان المقاوم للزلازل فالبيوت الخشبية أزهد ثمناً وأسلم وأحفظ للنفوس والأجسام من الجدران والسقوف الأسمنتية، إلى أن يبعث الله أنظمة سياسية تفكر في التنمية الشاملة التي تنظر إلى الإنسان كأغلى ثروة.
الأمر الآخر: وعي النظام الذي تقع دولته وشعبه على خط الزلازل، خصوصاً إذا كان الخط لسوء الحظ، مصعّراً خده متوعداً بالويل والقبور، وغرب بلا ضمير. في مثل هذه الأمور يجب سباق الزمن بحسن التدبير والتقدير. في الفاجعة التركية السورية قرابة ثلاثين ألف ضحية لقوا حتفهم، والذين هم تحت الأنقاض هم ألوف أخرى، عدا الجرحى والمصابين.
موت ضمير الحضارة الغربية، واحضارتاه، يشبه الزلازل، فهو بدوره لم يكن ممكناً التنبؤ به. أيّ شيء في تنمية البلدان أوجب من بناء مساكن آمنة للشعوب؟ إذا تعذّر الأمر ماديّاً لضيق ذات اليد الاقتصادية، فمن الضروري ابتكار أسلوب إسكاني آمنٍ مناسب، بالخشب أو أيّ مادة أخرى. الأقدار تمهل، فهل تمهل الزلازل؟
منذ عهد الشاه بدأ التفكير الإيراني في نقل مقارّ الحكومة إلى مناطق بعيدة من خط الزلازل، لكن يا لها من حماقة، فهل الوزارات والدوائر الحكومية أهمّ من ملايين الأرواح؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الكاريكاتورية: سيكون الرسم الذي نشرته «شارلي هبدو» عن زلازل تركيا، صالحاً لتكرار شماتتها بالأنظمة العربية والإسلامية التي تتجاهل مفاجآت الطبيعة وقيمة الإنسان.

