: آخر تحديث

حرب روسيا في أوكرانيا!!

28
21
25
مواضيع ذات صلة

مرت تسعة شهور على بداية الحرب في أوكرانيا استعر فيها أوارها تدريجيا لينذر بحرب عالمية ثالثة بدأت ملامحها تلوح وتهيمن على أحاديث مختلف المحللين لمجريات النزاع الروسي الأوكراني، ولا مانع من وقع هذه الحرب العالمية إلا تعقل قوى الحرب الدائرة الآن في الأراضي الأوكرانية واستدارتهم إلى الخلف لأخذ العبر من مفاعيل الحربين العالميتين السابقتين وما آلتا إليه من خسائر بشرية واقتصادية فادحة. ورغم مرور هذه الأشهر التسعة يبقى هناك سؤال مطروح قفز مع أول طلقة في الفضاء الأوكراني وهو: من بدأ الحرب في أوكرانيا؟

 في ظني أن إجابة هذا السؤال معروفة عندنا نحن الذين شهدنا مقدمات هذه الحرب وما زلنا نتابع وقائعها وتطور أحداثها الدراماتيكية، ويمكننا القول بارتياح إنه لولا شعور الروس بتهديد أمنهم الوطني وسلامة مجتمعهم لما حدث ما حدث، ولكن هذه الإجابة تبقى معلقة بعمد بالنسبة إلى الإعلام الأمريكي والأوروبي المسخر في خدمة المعادين لروسيا؛ ذلك أنّ الساعين إلى تبرئة ساحة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوكرانيا من التآمر على أمن الأراضي الروسية وسلامتها يريدون أن تبقى الحقيقة ضائعة وأن تظل تفاصيلها تائهة في وسط قعقة السلاح وهدير الصواريخ وهلع الأوكرانيين الذين لم يعد لرئيسهم فولوديمير زيلينسكي أي كلمة فصل في النزاع المسلح الذي حشرهم فيه؛ فخياراته غير العسكرية أصبحت محدودة بعد أن صنع من أوكرانيا محاربا بالوكالة عن حلف شمال الأطلسي، وبعد أن افتضحت شعبويته القاتلة التي صنعت أوهام عظمة كاذبة تتجاوز بكثير إمكانات أكرانيا من دون أن تفكر في عاقبة هذا الصنيع؛ فالمؤكد والطبيعي، لدى راسمي السياسة الأمنية لدى دولة عظمى مثل روسيا، أنه لم يكن واردا أن ينتظروا حتى يشهدوا أمن بلادهم ينتهك من حلف الناتو، وأنهم لا يستطيعون انتظار حصول ذلك على حدود بلدهم للتثبت من مصداقية الناتو وزيلينسكي واختبار خطورته على أمن المجتمع والدولة الروسيين حتى يردوا الفعل، ولهم في دروس التاريخ أكثر من عبرة توجه ردة فعلهم المنطقية إزاء خطر داهم غذته أطماع أمريكية في تجاوز أزمات الولايات المتحدة على حساب روسيا.

 أما من أدرك تحريك القوات الروسية منذ الأيام الأولى باتجاه أوكرانيا، وأخذ على محمل الجد تصريحات وتحذيرات المسؤولين السياسيين والعسكريين الروس التي كانت توجه لأوكرانيا لحثها على ضبط نزعات الكراهية ضد الروس في منطقة الدونباس وترشيد سلوكها السياسي وكبح جماح رغبة السلطة السياسية بقيادة زيلينسكي الانضمام لحلف الناتو الذي تدرك روسيا نوازعه وأسبابه التي تسكن في رأس المخططين الإستراتيجيين في حلف الناتو، فهو يعلم أن الحرب بدأها الأوكرانيون بدعم ومساعدة عسكرية واقتصادية غير مسبوقة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين ورطتا في ذلك دول الاتحاد الأوروبي. وها هي دول الاتحاد الأوروبي اليوم تقف عاجزة لا حول لها ولا قوة أمام شعوبها، فلا هي عارفة كيف تواصل دعمها لزيلنسكي ولا هي عارفة كيف تخرج من ورطتها التي زجتها فيها الولايات المتحدة، خاصة وأن هذه الحرب قد فضحت هشاشة المنوال الاقتصادي المعتمد في أوروبا وعجلت في كشف المستور عبر أرقام تضخم تتصاعد باستمرار لتهدد بانفجار اجتماعي شامل بدأت ملامحه تلوح في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا منذرة بزلالزل سياسية واجتماعية قد تغير المشهد السياسي في القارة العجوز.

 اليوم في خضم الأوجاع التي تعصف بالأوكرانيين فإن دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأمريكا الذين يمرون بأسوأ أزمة اقتصادية عنوانها الأبرز التضخم العصي على السيطرة لا يعيرون انتباها لنداءات شعوبهم وحكومات وشعوب دول العالم الأخرى للتأثير في حكومة كييف ودفعها إلى مفاوضات سلام، بل يكرر السياسيون فيها أن على روسيا وقف الحرب التي بدأتها! ولا يبدو أن روسيا في وارد إنهاء هذه الحرب إلا بنصر كاسح يرغم الأوكرانيين ومن خلفهم حلف الناتو على قبول طلبات روسيا بعدم انضمام الجار الأكراني إلى حلف الناتو والتزام أوكرانيا الحياد. هذا إذا لم تضف إليها روسيا مطالبات لعلها تستجد مع نهاية الحرب.

 روسيا تمتلك أوراق ضغط كثيرة اقتصادية على أوكرانيا وعلى دول أوروبا؛ فهي واحدة من الدول العظمى، وهي دولة غنية بمقدراتها الطبيعية وتمتلك مصادر الطاقة - الغاز والنفط ومشتقاته - وهي من تعتمد عليها الدول الأوروبية في تشغيل مصانعها وإنارة بيوتها وتدفئة شعوبها، وهي قوة عسكرية تمتلك أقوى الأسلحة النووية وجيشا قوامه الملايين، وبمقدورها في ظل هذه الحقائق أن تفرض الشروط التي بسببها قامت بالحرب على أوكرانيا؛ لتبدو في نظر البعض، وبجهود إعلامية غربية، أنها من بدأت الحرب.

 اختصارا نقول إن دولة روسيا الاتحادية بدأت العمليات العسكرية في حرب فُرِضَت عليها فرضا بعد أن يئست من قيام أوكرانيا ومن ورائها حلف الناتو بوضع حد لمهددات أمنها القومي وسلامة مجتمعها، وإذا كان لهذه الحرب من فضل فهو فضح سياسات دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية الحريصة على ديمومة مصالحها وغنائمها وإن عبر التضحية بالأمن والسلام الدوليين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد