: آخر تحديث

جاك بريجز.. بريطاني قاد شرطة دبي وسهر على أمنها

24
21
25
مواضيع ذات صلة

مع أن الوجود البريطاني في الإمارات يعود إلى عشرينات القرن التاسع عشر، إلا أن الحكومة البريطانية لم تفكر في تأسيس قوة أمن فيها إلا في مطلع خمسينات القرن العشرين لأنها قبل ذلك كان تركيزها على سلامة الملاحة البحرية فحسب دون أدنى اكتراث بتوفير الأمن في البر بحجة أنها لا تريد التدخل في النزاعات الأهلية بين القبائل. وتقول الأدبيات ذات الصلة إن السلطات البريطانية هناك استشعرت في بداية الأربعينات الحاجة لتأسيس قوات أمن لحماية مسؤوليها وتوفير الأمن لفرق التنقيب عن النفط التي بدأت تتوافد على المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فجرت مباحثات واتصالات مطولة ما بين الوكيل السياسي البريطاني في البحرين ورؤسائه في لندن من جهة، وبينه وبين حكام الإمارات وشيوخ قبائلها من جهة أخرى.

أفضت المداولات، التي استمرت من عام 1948 إلى عام 1950، إلى تشكيل ما عـرف بـ«قوة ساحل عمان». وقتها تقرر أن تتكون القوة من 70 فردًا يتم اختيارهم من رجال القبائل المحلية بنفس الأسلوب الذي تشكل به الفيلق العسكري العربي في الأردن بقيادة البريطاني غلوب باشا، وأن تتولى وزارة المالية البريطانية تمويلها وصرف رواتب أفرادها، وأن يـنتدب ضابط بريطاني من الجيش الأردني لقيادتها مع ضباط آخرين للتدريب، وأن يكون مقرها في قاعدة سلاح الجو الملكي في الشارقة، وأن تعمل كقوة شرطة تحفظ الأمن الداخلي وليس كقوات برية.

وهكذا، نجد أن أول قوة أمن نظامية في الإمارات هي قوة ساحل عمان التابعة للإدارة البريطانية، والتي تأسست رسميا في عام 1951 تحت مسمى «رسوم عمان المتصالحة»، ثم تمّ تغيير اسمها من قبل الجنرال تمبلر رئيس الأركان العامة الإمبراطورية إلى «كشافة الساحل المتصالح» لإزالة الانطباع بأنها قوة تمّ تجنيدها، وأخيرًا أطلق عليها اسم «قوة ساحل عمان» في عام 1956 لتستمر في العمل حتى قيام الكيان الاتحادي في عام 1971، وهو العام الذي تم فيه تحويل إدارتها إلى دولة الإمارات، فعملت كنواة لتأسيس معظم قوات الأمن الداخلي والشرطة والقوات المسلحة في البلاد. ومن الجدير بالذكر أن عدد منسوبي «قوة ساحل عمان»، التي تأسست على يد قائدها الأول الرائد «ميشيل هانكين توفين» المنتدب من الأردن، راح يرتفع تدريجيا في فترة زمنية قصيرة حتى وصل إلى 500 فرد أوائل عام 1953، نظرًا لتوسيع دائرة مهامها لتشمل تمشيط المناطق الداخلية البعيدة عن السواحل ومطاردة مرتكبي الجرائم وجمع المعلومات الاستخباراتية والتدخل في حالات التنازع على المياه والحصاد والرعي، ناهيك عن تكليفها بمهام محددة في أزمة البريمي عام 1955. وبالتزامن راحت أعداد الضباط والأفراد البريطانيين في القوة تزداد حتى وصلت إلى 40 ضابطًا و100 ضابط صف خلال الفترة من 1960 إلى 1961، بينما ارتفع عدد الجنود المحليين إلى 700 عنصر في مايو 1960 ثم إلى نحو ألفي عنصر لاحقًا. كما أدى تكليفها بحماية مواقع التنقيب عن النفط وحراسة حدود البلاد إلى رفع طاقتها القتالية من خلال تزويد سراياها بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

وما يجدر بنا ذكره أيضا في السياق نفسه أنه حتى ستينات القرن العشرين كانت أبوظبي ودبي ورأس الخيمة وحدها التي تملك قوة شرطة. أما في بقية الإمارات الأربع فقد كانت المهام الشرطية موكلة إلى مجموعات الحرس التابعة للحكام (المطارزية) بسبب قلة الموارد المالية قبل اكتشاف النفط وتصديره وقلة أعداد المواطنين وانخفاض معدلات الجريمة. على أنه في عام 1961 طلب الوكيل السياسي البريطاني في دبي «دونالد هاولي» انتداب الخبير الشرطي «روبرت واغيت» لإعداد تقرير حول الوضع الأمني في الإمارات، فأوصى الأخير بالاستعانة بقوة ساحل عمان من خلال تأسيس جناح خاص بداخلها تحت مسمى «جناح شرطة قوة ساحل عمان»، على أن يقوم هذا الجناح بمهام وحدات الشرطة السيارة برئاسة ضابط بريطاني كفؤ. وقد بدأ الجناح عمله عام 1963 مع وصول قائده البريطاني المختار «جاك بريجز»، الذي منح رتبة رائد.

كانت تلك توطئة، استندنا في تفاصيلها على تقرير خاص نشره مركز»جمال بن حويرب للدراسات تحت عنوان «حماة الوطن على مر التاريخ 1951-1980»، وذلك للحديث عن «جاك بريجز» الضابط البريطاني الذ حفر إسمه في التاريخ الحديث لإمارة دبي، ويرجع الفضل له في تطوير شرطتها والسهر على أمنها وأمن مواطنيها لسنوات بتفان واخلاص نادرين، بل تعلقه بهذه الإمارة العربية وأبنائها وحكامها حتى آخر يوم من حياته.

ولد جاك بريجز في لندن عام 1920، لكنه نشأ في مدينة أكرينغتون الواقعة في شمال غرب انجلترا، وترك المدرسة في سن الرابعة عشرة دون أن يكمل شهادته الإعدادية، رغم أنه كان من الأولاد الأذكياء والمنضبطين في سلوكهم وحياتهم. وبعد فترة قصيرة من العمل كمصمم طباعة حجرية تحت التدريب، التحق بالحرس الأسكتلندي طمعًا في انتدابه للعمل في الخارج لإشباع شغفه بالسفر. وقد نال ما أراد حينما قرأ إعلانًا يطلب متطوعين للانضمام إلى قوة الشرطة الفلسطينية، فتطوع وتمّ إرساله للخدمة في شرطة فلسطين، زمن الانتداب البريطاني. وفي فلسطين تعرف على اللغة العربية لأول مرة فعشقها وتمكن بسرعة من تعلمها. ومن المؤكد أن ذلك ساعده كثيرًا في الخدمة في بلاد عربية أخرى بعد انهيار الانتداب على فلسطين عام 1948.

بعد حوالي سبع سنوات في فلسطين، عاد بريجز إلى إنجلترا، فواصل العمل كشرطي هناك لبضع سنوات فقط، إذ ظل الحنين إلى العرب ولغتهم يلازمه ويلح عليه للعودة إلى بلادهم والخدمة فيها، وقد تحقق له ذلك حينما أرسلته بلاده إلى البحرين في الخمسينات للعمل في شرطتها. ومن البحرين تمّ نقله إلى شرطة قطر، حيث عين هناك في منصب «نائب قائد شرطة قطر». وعندما تمّ تشكيل جناح شرطي ضمن قوة ساحل عمان في عام 1964 على نحو ما أسلفنا، تمّ تجنيده لقيادته برتبة رائد، واتخذ من الشارقة مقرًا له، لكنه سرعان ما انتقل إلى دبي، حيث توثقت علاقته بحاكمها آنذاك المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي وجد فيه شخصية مستقيمة ومتزنة وحكيمة ومحايدة ومحبوبة وكريمة، فوثق به وقربه وعينه قائدًا عامًا لقوة شرطة دبي، فشغل المنصب لمدة عشر سنوات (من 1965 إلى عام 1975)، ثم أمضى 11 سنة أخرى في العمل مستشارا لقوة شرطة دبي إلى أن تقاعد عن العمل في عام 1986. ويـعد بريجز المؤسس الحقيقي لشرطة دبي التي أمر الشيخ راشد بتشكيلها عام 1956، رغم أنه ليس القائد الأول لها، إذ سبقه النقيب بيتر إتش كلايتون (من 1956 إلى 1958)، والرائد بيتر جورج لوريمر (من 1958 إلى 1965) اللذين كانا يباشران عملهما تحت اشراف الشيخ محمد بن حشر آل مكتوم، وخلف بريجز العقيد عبدالله خلفان بالهول (من 1975 إلى 1980)، ثم العقيد (الفريق لاحقا) ضاحي بن خلفان بن تميم.

وخلال فترة عمله في دبي، دفعه شغفه باللغة العربية إلى الالتحاق بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن إلى أن حصل منها على إجازة في اللغة العربية عن طريق المراسلة، فصار بارعًا فيها تحدثًا وقراءة وكتابة، ما جعله يقبل العمل كممتحن لطلبة البكالوريا الدولية ومحاضرًا للغة العربية في الجامعات البريطانية، بل صار قادرًا أيضا على ترجمة الكتب العربية إلى الانجليزية أو العكس. ودليلنا على الجزئية الأخيرة أنه قام بترجمة كتاب «غمزة الموناليزا وقصص أخرى من الخليج» للأديب الصديق الأستاذ محمد أحمد المر، لكن المؤسف أنه لم يكتب مذكراته أو ينشر قصة حياته المليئة بالحكايات والطرائف والشواهد على حجم التحديات التي قابلته في مهامه وتنقلاته. وفي هذا السياق قال «إيان فيرسرفيس» الشريك الإداري ومحرر مجموعة «موتيفيت ببليشينغ» التي نشرت بعض أعمال بريجز «لقد حاولنا مرارًا أن نجعله يكتب عن حياته ويخبرنا عن قصصه الرائعة، لكنه كان متواضعًا، بل أحد أكثر الرجال تواضعًا، وكان يتحجج بأن وقته كله مكرس لخدمة دبي وأمنها». ومن ناحية أخرى أتقن بريجز اللهجة الإماراتية المحلية، ما مهّد له الطريق إلى قلوب الناس الذين أحبّوه واحترموه بقدر ما أحبّهم واحترمهم وسهر على أمن شوارعهم وأسواقهم إلى جانب حراسة قصر الحاكم ومباني الحكومة.

لم يقم بريجز بتطوير وتحديث شرطة دبي فحسب من خلال تنظيمها وزيادة منسوبيها لمواكبة المستجدات والمتطلبات الأمنية، وتأسيس مدرسة لتدريب الشرطة وإقامة دورات للضباط المواطنين، وتغيير أول شعار للقوة كان قد صممه زميله كلايتون، واتباع أسلوب الأوامر المكتوبة بديلاً عن الأوامر الشفهية، وغيرها، وإنما غرس أيضا في دبي والإمارات واحدة من أحب الهوايات إلى قلبه وهي هواية سباق الدراجات، التي أسهم بشغف في جعلها رياضة إماراتية معترف بها، وتحظى بدعم المواطنين والوافدين. وقتها لم يكن يجد أحدًا في دبي كي يتسابق معه، فعمد إلى تشجيع وتدريب زملائه من منسوبي الشرطة على ركوب الدراجات والتسابق معه كرياضة، ثم قدم طلبًا لإستيراد عدد من دراجات السباق من متجر متخصص في بريطانيا، بل ذهب شخصيًا إلى لندن لهذا الغرض وعاد بالمطلوب على طائرة شحن، وأتبعه بتهيئة وتنظيم دورات لسباق الدراجات الهوائية، فسار بالإمارات على الطريق الصحيح، مستهدفًا صناعة بطلها الأولمبي في سباق الدراجات وتهيئتها لاستضافة البطولات (تحقق هذا بعد وفاته حينما استضافت البلاد دورة دبي للدراجات عام 2014).

عاد بريجز بشكل دائم إلى إنجلترا في عام 1996، لكنه استمر يزور دبي بانتظام، للالتقاء بأصدقائه وتلامذته الكثر في المواقع القيادية المختلفة، الذين أحبهم وأحبوه، وكانت آخر زيارة له في مارس 1998، إذ زار خلالها متحف شرطة دبي، الذي تمّ افتتاحه عام 1987، والذي يوثّق مراحل تطوّر شرطة دبي وإنجازاتها منذ عام 1956. وفي السادس والعشرين من يوليو 1998، وبينما كان على دراجته مشتركًا في سباق بريطاني طويل، وبعد أنْ اجتاز نصف المسافة بدأ يشعر بالدوار فتوقّف عند متجر لبيع الصحف في أحد الشوارع، ودخل وأحضر قارورة مياه، ثمّ جلس على جانب الطريق للاستراحة، وهناك أصيب بنوبة قلبية فتوفي ورحل تاركًا خلفه سيرة حسنة في أوساط كل الذين خدموا برفقته أو عرفوه أو تعاملوا معه، وزوجته «كاث لافيرتي» التي تزوجها عام 1953 وحرص خلال سنواته الأخيرة على ملازمتها والإعتناء بها بسبب مرضها المزمن، وأربعة أبناء ومثلهم من الأحفاد.

ووفاء لذكراه وخدماته الجليلة لدبي، قام ضباط شرطة دبي بتكريم بريجز الذي وصفه الفريق ضاحي بن خلفان بن تميم القائد السابق لشرطة دبي بالشخص الودود طيب القلب راجح العقل، بل عدّه صانع الحداثة في شرطة دبي، وقال عنه: «كان ضابطًا يتقبّل النقد ويعترف بالخطأ، ولمست لديه خصالاً نادرًا ما تراها في الناس، خاصة أولئك الذين يتحمّلون مسؤوليات جمّة مثله. إني أكنّ الكثير من التقدير والاحترام لهذا الرجل». أما اللواء عبدالرحمن رفيع مدير الإدارة العامة لخدمة المجتمع في شرطة دبي فقد قال: «جاك بريجز كان أحد أفضل القادة الأجانب في البلاد، إن لم يكن الأفضل على الإطلاق».

 ومن الشهادات الأخرى في الرجل، ما جاء على لسان السيدة إيزابيل أبوالهول (أم منصور)، رئيس مؤسسة الإمارات للآداب: «لقد أتيت إلى دبي عام 1968 وعشت فيها منذ ذلك الحين، وتعرّفت إلى جاك بريجز وزوجته كاث. في تلك الأيام، كانا يعيشان في منزل كبير مقابل مستشفى آل مكتوم الذي أصبح متحفاً اليوم، وفره لهما الشيخ راشد. كانا يشكّلان ثنائيًا جميلاً، ووالدين رائعين لثلاثة أبناء». وأضافت أم منصور: «من المثير للاهتمام أنه كان يجيد التحدّث باللغة العربية، فهناك العديد من الناس الذي سكنوا العالم العربي نحو عشرين أو ثلاثين سنة، لا ينطقون إلا كلمتين أو ثلاثًا باللغة العربية».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد