: آخر تحديث

الرئيس بوتين وفخ قراءة التاريخ قراءة خاطئة!

6
6
7
مواضيع ذات صلة

يوم غزا الجيش الروسي بأمر من الرئيس فلاديمير بوتين الأراضي الأوكرانية في الرابع والعشرين من شهر شباط – فبراير الماضي، كتبنا هنا مقالة بعنوان "روسيا خسرت ولو ربحت". هذا العنوان لمقالة كُتب بعد ساعات على بدء الحملة العسكرية التي أسماها الرئيس الروسي "عملية عسكرية خاصة"، رغبة منه في تصغير حجم الجارة الأصغر أوكرانيا معنوياً، أو فلنقل تحقيرها لدرجة القول إنها لا تستأهل أن تشن عليها حرب، بالرغم من أن الحشد العسكري الروسي خلف الحدود في روسيا وبيلاروسيا تجاوز المئة والتسعين ألف جندي، ومئات الدبابات، وآلاف الآليات المدرعة، والمدافع المؤللة، فضلاً عن سلاح الصواريخ العابر للحدود، والطيران بكل تشكيلاته. لم تسر "العملية الخاصة" وفق ما خطط له. وبدا منذ الأيام الأولى لاختراق الحدود الأوكرانية، والانطلاق بسرعة نحو العاصمة كييف، أن شيئاً ما حصل عرقل القوات الروسية، إلى حد بعيد. فشلت عملية الانقضاض على العاصمة، وفشلت معها محاولة اعتقال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي. وتبين أن الغزو انحرف عن الطريق المرسوم له، والذي أريد منه أن يكون مجرد عملية سريعة، لقلب نظام الحكم، والسيطرة على العاصمة والمدن الكبرى في الشرق الأوكراني. البقية معروفة: تحوّلت "العملية العسكرية الخاصة" إلى حرب استنزاف لم تتوقف حتى اللحظة، أي بعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر. والحرب مستمرة، وقد تلقى الجيش الروسي، وهو الثاني في العالم من حيث الحجم، ضربات كبيرة ومؤلمة جداً في كل مكان من المقاومة الأوكرانية التي استفادت كثيراً من الدعم الكبير الذي وفره الغرب لها، على صعيد المعدات، والذخائر، والمعلومات الاستخبارية على الأرض، وخلف خطوط القتال الرئيسية. لم تسقط أوكرانيا، فبدأت الحرب تتحول إلى حرب تدمير ممنهج يمارسه الجيش الروسي ضد المنشآت المدنية الأوكرانية بمختلف أنواعها. وبعد أربعة أشهر لم تحقق القوات الروسية أهدافاً يمكن البناء عليها لفرض هيمنتها على البلد الجار. فقد أصبحت الحكومة الأوكرانية أكثر إصراراً على الابتعاد عن موسكو، وأكثر تمسكاً بالتقرب من أوروبا، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي "الناتو". فقد خلق الرئيس الروسي من خلال الحرب التي شنها تحت شعار نزع النازية من أوكرانيا، والرد على تهديدات حلف شمال الأطلسي لأمن روسيا، فضلاً عن ادعاءاته أن أوكرانيا ليست بلداً، وأنها جزء من روسيا التاريخية، خلق واقعاً لم يعد في استطاعته أن يخرج نفسه منه. حتى أن بعض المراقبين الدوليين يعتبرون أن الرئيس بوتين وقع في فخ. لكن فخ من؟ فخ قراءته الإمبريالية لتاريخ أوروبا الشرقية؟ أم فخ الغرب الذي فاجأه بالرد الواسع على الغزو، بعقوبات هائلة، وبدعم أوسع غير متوقع لمجهود أوكرانيا الحربي والإنساني. 
 
ما تقدم  يهدف إلى القول إنه مع تمكن السلطات الروسية من السيطرة على الدعاية في الداخل، من خلال إغلاق وسائل الإعلام المستقلة القليلة، ومنع أي تحرك احتجاجي في الشارع بالقوة، وإغراق وسائل الإعلام بـ"بروباغندا" رسمية تذكر بالدعاية السوفياتية، فشلت موسكو في إعادة كتابة تاريخ أوروبا بتغيير خريطة الحدود الموروثة عن الحرب العاملية الثانية، عبر ابتلاع أوكرانيا، وفتح باب مراجعة اتفاق يالطا، ثم اتفاقات ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989. من هنا بدا الاحتفال بذكرى "يوم النصر" في الحرب العالمية الثانية في قلب الساحة الحمراء بموسكو باهتاً، على اعتبار أنه جاء في وقت كانت فيه القوات الروسية تراوح مكانها غارقة في وحول الحرب في أوكرانيا من دون أن تحقق نصراً استراتيجياً على دولة تصغرها بخمس مرات. بدا الرئيس الروسي في الحرب، ثم على شرفة الكرملين، أشبه بشخص ينتمي إلى الماضي. يحنّ إلى الزمن الإمبراطوري، لكنه ما عاد يمتلك القدرة على استعادة مجد روسيا القيصرية، ولا روسيا السوفياتية. وبالرغم من أن الرئيس بوتين أصر في خطابه يوم التاسع من أيار – مايو على التأكيد أن "جميع الخطط تنفذ، وسنحقق نتيجة ما من شك في ذلك"، لم يستطع التقاط الفرصة لإعلان "النصر" على "النازية الجديدة" في أوكرانيا. فقط استعاد السردية الرسمية التي ابتكرها كمسوغ لغزو جارته الصغرى، فقال إن "القوات الروسية تحارب من أجل أمن روسيا. والغرب كان يستعد لغزو أراضي البلاد". ويضيف أن "مواجهة النازيين الجدد كانت أمراً لا مفر منه". 
 
ومر "يوم النصر" ولم تحقق موسكو أهدافها، ولم تحسم حرباً صارت أشبه بفخ وقعت فيه، وهي تحتاج إلى وسيلة للخروج منه مرفوعة الرأس. ففيما كانت موسكو تتذرع بما يمثله توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى حدودها الغربية، من تهديد لأمنها دفعها إلى شن "عملية عسكرية خاصة" ضد أوكرانيا لمنعها من الانضمام إلى الحلف، دفع الغزو ومبرراته العائدة إلى زمن الإمبريالية الاستعمارية في القرن التاسع عشر، دولاً كانت تؤثر حتى مطلع العام الحالي أن تبقى في وضعية الحياد بين الغرب وروسيا، مثل السويد وفنلندا، إلى اتخاذ قرارات تاريخية بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي في أقرب وقت. هكذا من المتوقع أن يعلن كلا البلدين قرارهما تقديم طلب للانضمام إلى "الناتو"، غير عابئين بالتهديدات الروسية التي لم تتوقف للتهويل عليهما بغية اعتراض هذا المسار. فقول نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروتشكو إن "روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا انضمت فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي"، يقابل من السلطات في البلدين بمزيد من الإصرار على الانضمام وسط تأييد واضح في الرأي العام الذي يرى أن الرئيس الروسي المهجوس بالحلم الإمبراطوري مغامر متهور يمثل تهديداً واضحاً لدول الجوار. 
 
في يوم الاحتفال بـ"يوم النصر" في موسكو، كان وزير الدفاع البريطاني يقول "إن هزيمة الجيش الروسي أمر ممكن. من الممكن جداً أن تدمّر أوكرانيا الجيش الروسي إلى درجة أن يضطر فيها إلى العودة إلى ما قبل شباط (فبراير )". ويذهب أبعد قائلاً: "يجب أن يتقبل (الرئيس) بوتين أنه خسر على المدى الطويل. بل خسر بالتأكيد، فروسيا لم تعد كما كانت". 
 
في المقابل، وخلال زيارته الأولى لبرلين عقب إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية، قال الرئيس إيمانويل ماكرون: "علينا ألّا نهين روسيا". بالطبع يقصد ماكرون أنه لا بد من إعادة بناء سلام بعد أن تتوقف الحرب. لكن السلام لكي يكون راسخاً يجب أن يُبنى على قواعد تتجنب تجربة إهانة ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، ما أدى الى الحرب العالمية الثانية بعد عقدين. 
 
اللافت أن منطق المسؤولين الغربيين يتقاطع بطريقة أو بأخرى، فهما يتحدثان على قاعدة أن روسيا لن تربح الحرب.  الوزير البريطاني يطلق حكماً قاسياً بحق موسكو . أما الرئيس الفرنسي، فانطلاقا من قراءة لا تتناقض مع القراءة القائلة إن روسيا خسرت الحرب، فهو ينظر إلى باب الخروج الذي يجب  تأمينه لروسيا كي لا تنتهي الحرب الراهنة، ولتشتعل حرب أخرى أكبر بعد بضع سنوات. في مطلق الأحوال، فقد كشفت هذه الحرب نقاط الضعف البنيوية الروسية إلى درجة دفعت بوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إلى القول في ندوة نظمتها قبل أيام صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية في واشنطن إن "الصين تراقب باهتمام الوضع الروسي. ولا تريد أن تجازف بمغامرة شبيهة بمغامرة (الرئيس) بوتين". هذه إشارة إلى طموحات الصين لاستعادة جزيرة تايوان بالسياسة أو بالقوة! والدرس المستفاد من حرب الرئيس فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا أنه ارتكب خطأً تاريخياً، سوف تسمع تردداته لعقود قادمة، أكان في الداخل الروسي أو في أوروبا. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد