: آخر تحديث

الوسطية والاعتدال.. الثوابت والمتغيرات

32
32
35
مواضيع ذات صلة

بدعوة من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني شاركت مع نخبة من المفكرين الأكاديميين في حلقات نقاش حول مفهوم الوسطية والاعتدال، في محاولة لفتح أفق معرفي على الوسطية في إطار التحديد الاصطلاحي والضبط الشرعي. فقد شكل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني أرضاً خصبة للتحاور على قواعد وسطية ومرجعية وطنية مطلقاً مبادراته الحوارية الفاعلة في أجواء حضارية.

وكان مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني قد استن سياسة تتميز بأنها تعتبر المفكر والمثقف شريكاً لا مجرد متلق، ومن هنا كان حرص المركز على إشراك واستقطاب الفئة المفكرة والمثقفة في مشاريعه الحوارية. وقد دارت نقاشات جادة مفيدة وعملية ألقت قدرًا من الضوء على الوسطية من منطلق شرعي واجتماعي وحضاري.

فالوسطية صفة جامعة تعني الاعتدال والتوازن والسماحة والمعايشة، وهي صفة وطيدة الصلة بخاصية الشمول المتوازن الحافظة من الاندفاع والغلو والتصادم والإفراط أو التفريط والذي لم تسلم منها التصورات الفلسفية وكثير من التصورات الدينية التي شوهتها التصورات البشرية بما أضافته إليها، أو أن أنقصته منها، أو أولته تأويلًا خاطئًا ونسبت هذا التأويل الخاطئ إلى الدين. وقد طرحت نقاشات ورؤى حول الوسطية كلٌ أدارها من زاوية اختصاصه العلمي والشرعي والفكري والاجتماعي في محاولة لوضع أساس شرعي وفكري للوسطية من منطلق الثوابت والمتغيرات والواقع. فالوسطية موضوع كبير جدير بالدراسة، فالصياغة التطبيقية لمفهوم الوسطية تاريخيًا وإلى اليوم عرفت جدلًا واختلافًا كبيراً - في تحديد مفهومه ومضمونه - بين كثير من المفكرين الإسلاميين فكلٌ يتناوله حسب اختصاصه، وأصبحت الصياغة العلمية التأسيسية للوسطية موضع جدل أملته اختلاف التخصصات الشرعية أو على وجه الدقة ذهنية الباحث واختصاصه، فمن الباحثين من نظر للوسطية من زاوية فقهية ومنهم من تطرق إليها من ناحية عقدية ومنهم من تناولها تفسيريًا ومنهم من سلك طريق الأصوليين أو الاجتماعيين في تحديد مفهوم الوسطية.

وقد واجهت الوسطية على مر التاريخ إشكالًا في المنهج والصياغة، وكانت من أكبر الإشكاليات التي واجهت التاريخ العلمي والمعرفي والتي لم تقف عند حد المنهج والصياغة بل تعدتها إلى المبدأ، وإن كان ما ورد من تعريفات للوسطية يغلب عليها الطابع الوصفي.

أما من الناحية المصطلحية فقد اختلفت التعريفات تبعًا لاختلاف الاختصاص فقد تقاطعت التعريفات للوسطية بين المتكلمين والمؤرخين وعلماء العقيدة والمدرسة الفقهية وإن كانت الوسطية تنتمي إلى منظومة المفاهيم وليس إلى المصطلحات باعتبار أن المصطلح ذا تعريف محدود غالبًا ما يتفق عليه، في حين أن المفهوم يحمل دلالات متعددة كالاعتدال والتوسط والتوازن والخيار والسماحة والاستقامة وغيرها.

وقد جاءت نصوص القرآن الكريم ناطقة بالوسطية في أكثر من موضع كـ(أمة وسطًا) والتي وضع لها المفسرون أكثر من تفسير (أمة وسطاً) في التصور والاعتقاد لا تغلو في الروحية ولا المادية و(أمة وسطًا) في التفكير والشعور و(أمة وسطًا) في الارتباطات والعلاقات و(أمة وسطًا) خيارًا عدولًا و(أمة وسطًا) عدلًا وانصافًا وتوسطًا واعتدالًا.

يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة: الوسطية في التصور الإسلامي الحق بين باطلين والعدل بين ظلمين والاعتدال بين تطرفين... والموقف العادل المتوازن، الجامع لأطراف الحق والعدل والاعتدال الرافض للغلو - إفراطاً وتفريطاً -، لأن الغلو الذي يتنكب الوسطية هو انحياز من الغلو إلى أحد قطبي الظاهرة ووقوف عند أحدي كفتي الميزان يفتقر إلى توسط الوسطية الإسلامية الجامعة وإلى توازنها وعدلها واعتدالها. فالوسطية الإسلامية الجامعة ليست هي ما يحسبه ويتوهمه العامة من المتعلمين والمثقفين: انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام المشكلات والقضايا الشائكة، بل إنها على العكس من ذلك هي الموقف الأصعب الذي لا ينحاز الانحياز السهل إلى أحد القطبين.

ويقول المفكر النمساوي محمد أسد: الأمة الوسط هي التي تحتفظ بالاتزان العادل بين طرفين وتكون واقعية في تقدير طبيعة الإنسان وإمكاناته ورافضة لكل من الانغماس المطلق والزهادة الزائدة في الدنيا. ولذلك من الضرورة المنهجية وضع مفهوم نهائي مرجعي للوسطية حتى لا تضيع الحقيقة بين طرفين متباعدين طرف الغلو أو التطرف أو التشدد أو الإفراط. وما يمكن ملاحظته بعد هذا العرض المنهجي التفكير في إنشاء مركز دراسات يقدم نموذجًا عمليًا للوسطية. أو تخصيص كرسي للوسطية في إحدى الجامعات وتضمين مناهج التعليم الفكر الوسطي. فالسبق الذي أحرزه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في دعوته للحوار حول الوسطية والاعتدال نقلة فكرية نوعية تجدر مساندتها وخاصة من مؤسسات البحث العلمي ومراكز البحوث والدراسات في إطار التأسيس الناضج لمنهج الوسطية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد