على مدى ستين عامًا، ظلت الأحزاب اليسارية واليمينية المعتدلة المتمثلة في الديمقراطيين المسيحيين، تتقاسم النفوذ والحكم في جل البلدان الأوروبية. لكن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها العديد من البلدان، ومع تدفق المهاجرين القادمين من أفريقيا وآسيا ومن منطقة الشرق الأوسط، بدأت الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة والشعبوية التي كانت تحصل على أدنى النسب الانتخابية، تكتسح العديد من بلدان القارة العجوز. ولم يصمد أمامها سوى الحزب الاشتراكي في الدانمارك الذي تبنى مواقف اليمين المتطرف بخصوص الهجرة. لكن كيف يمكن أن نفسِّر هذه الظاهرة؟
عن هذا السؤال، أجاب دومينيك رايني(Dominique Reynié) المختص في الشؤون السياسية في حوار أجرته معه جريدة "لوفيغارو".
وفيها أكد على أن الوضع التاريخي الحالي لأوروبا ملائم لليمين. ويعود ذلك_ بحسب رأيه_ الى العوامل التالية المتمثلة في ضرورة توفير اقتصاد تنافسي قوي، وفي الشيخوخة الديمغرافية، وفي تفاقم الهجرات، وفي تطلعات الصين للهيمنة على العالم، وفي الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي عودة شبح الحرب الباردة بين الدول العظمى.
إذن ليس بإمكان الأحزاب اليسارية أن تحافظ على بقائها إلاّ إذا ما تنازلت عن شعاراتها القديمة، وبلورت مشاريع سياسية منسجمة مع متطلبات المرحلة التاريخية الجديدة.
ويقول دومينيك رايني إنه من المستحيل الآن على أي دولة أوروبية أن ترضي شعبها من دون أن تجد حلولًا لمشاكل الهجرة التي تحولت إلى معضلة حقيقية ليس فقط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإنما أيضا على المستوى الأمني. حيث أن عددا من المهاجرين تورطوا في أعمال ارهابية خطيرة، وارتبكوا جرائم فظيعة وكأنهم جاؤوا لا لكي يعملوا لكسب رزقهم، وإنما ليفجّروا أحقادهم، وغضبهم.
وبالإضافة إلى كل هذا، تعاني جلّ البلدان الأوروبية من هرم سكانها الذين يمثلون ثقافتها وتاريخها وهويتها. ومع تدفق المهاجرين يمكن أن تصبح هذه البلدان مهددة بانقراض هويتها وثقافتها، وتغيير وجهة تاريخها ليصبح تاريخ القادمين إليها من بعيد.


