: آخر تحديث
هاشتاك الناس

الموصل غابة أثرية

4
4
5

ثمة مدنٌ تُزار، وأخرى تُقرأ، غير أن الموصل تُكتشف كما تُكتشف الغابات: على مهلٍ، وبعينٍ تلتقط ما خفي قبل ما ظهر، وبقلبٍ يتسع لدهشةٍ لا تنتهي. ليست مدينةً تُروى حكايتها على عجل، بل نشيدٌ حجريٌّ طويل، كلُّ مقطعٍ فيه يهمس بسرٍّ من أسرار الأزمنة.

هناك، حيث تتعانق الأزقة مع ذاكرةٍ لا تشيخ، وحيث الجدران تحفظ ما عجزت الكتب عن تدوينه، شعرتُ وأنا أستعيد صدى محاضرةٍ للبروفيسور أحمد قاسم الجمعة، رئيس قسم السياحة الأثرية في جامعة النور، الموسومة بـ"نفائس أثرية في مدينة الموصل القديمة"، أنني أدخل غابةً لا تشبه سواها، غابةً من الآثار، من الحكايات، من الأرواح التي لم تغادر. لم تكن محاضرة عابرة تُضاف إلى أرشيف الندوات، بل كانت رحلة معرفية تنقلك من حجرٍ إلى حكاية، ومن نقشٍ إلى حضارة، ومن سؤالٍ إلى انبهار.

كان صوته الموصلي يمضي بنا كجدولٍ صافٍ، لا يكتفي بأن يروي، بل يُحيي ما يرويه. لم يكن يقدّم معلوماتٍ بقدر ما كان يزرع صورًا، ويرسم خرائط لدهشةٍ متجددة. وبين يديه، تحوّلت الخطوط إلى كائناتٍ نابضة، كأنها جذور مدينةٍ تمتد في عمق الزمن، وكأن هذا الأستاذ لا يشرح، بل يعيد خلق الموصل من جديد، حجرًا حجرًا، ونبضًا نبضًا.

بأداءٍ علمي رصين، وبلاغةٍ لا تخلو من حرارة الشغف، استطاع المحاضر أن يُعيد تشكيل علاقتنا بالمكان. لم يكتفِ بسرد المعلومات، بل رسمها رسمًا تخطيطيًا بيده، وكأننا أمام مهندسٍ مدني بارع يعيد بناء ذاكرة مدينة بأكملها. كانت الخطوط التي يخطّها على الورق أشبه بمفاتيح تفتح أبواب التاريخ، وتكشف عن أسرارٍ ظلت كامنة بين الأزقة والجدران. هناك، في تلك الرسوم، رأينا الموصل لا كمدينةٍ عادية، بل ككائنٍ حيٍّ نابضٍ بالمعنى.

حين قال إن الموصل "غابة أثرية"، لم يكن ذلك مجازًا عابرًا، بل توصيفًا دقيقًا مدعومًا بالوثائق والشواهد. غابةٌ لا تُحصى أشجارها، كما لا تُحصى آثارها، ظاهرةٌ للعين لمن أراد، وباطنةٌ تنتظر من ينقب عنها بعين الباحث وضمير العاشق. قدّم لنا أمثلةً حية عن أماكن دينية تختزن في زخارفها وهندستها إبداعًا إنسانيًا يتجاوز حدود الزمن، ويؤكد أن هذه المدينة لم تكن يومًا هامشًا، بل كانت مركزًا لصناعة الجمال والمعرفة.

وأنا أتابعُ هذا المحاضر، بذاكرةٍ قويةٍ متّقدة، وقد بلغ من العمر ثمانيةً وثمانين عامًا، ثار في داخلي سؤالٌ موجع: كم من هذه العقول يُهمَل اليوم، وكم من كنزٍ معرفيٍّ يُترَك ليذوي في صمت؟ إن ما يختزنه العراق من طاقاتٍ علميةٍ لا يقلّ قيمةً عن آثاره المدفونة، بل لعلّه أشدُّ إلحاحًا في الحاجة إلى الاكتشاف والرعاية.

البروفيسور أحمد ليس سوى نموذجٍ من نماذج رفيعة لم تحظَ بما تستحقه من احتفاءٍ مؤسسي حقيقي. وحين تحتفي جامعة النور بمثل هذه القامات، فإنها لا تقوم بواجبٍ أكاديمي فحسب، بل تؤسس لثقافةٍ تعيد الاعتبار للعلم وأهله. غير أنّ هذا الجهد، على أهميته، يظلّ بحاجةٍ إلى سندٍ أوسع، ماديٍّ ومعنويٍّ، وإلى رؤيةِ دولةٍ تُدرك أنّ الاستثمارَ في العقول لا يقلّ شأنًا عن الاستثمار في الموارد.

شخصيًا، آلمني أن أرى من بين "كتاكيت العلم" في الجامعة من يُقلّل من شأن أساتذته، ويصفهم بـ"إكسباير" أو "المنقضين"، وكأن العلم تاريخ صلاحية! هؤلاء أنفسهم الذين أشرفوا عليهم، وفتحوا لهم أبواب المعرفة، يُدفعون اليوم إلى الهامش لأنهم كبار في السن أو لأنهم لا يجيدون التعامل مع أدوات العصر الرقمية. أي مفارقة هذه التي تجعل الامتنان يتبخر بهذه السهولة؟

الدولة، وهي تفتش عن مشاريعها، تنسى أحيانًا أن أعظم مشروع هو الإنسان. أن أعظم استثمار هو عقلٌ يُحفظ، وخبرةٌ تُصان، واسمٌ يُكرَّم قبل أن يتحول إلى ذكرى. نحن بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف كنوزنا البشرية، كما نبحث عن آثارنا المدفونة، بل وأكثر.

وإن الدولة، بدل أن تنشغل بثريد الوزارات وصفقات المقاولات، أحوج ما تكون إلى البحث عن نفائس رجال العلم، أولئك الذين لولاهم لما استقام بنيان المؤسسات، ولا ازدهرت الجامعات، ولا وُجدت هذه النخب في مواقعها. نحن بحاجة إلى ثورةٍ في الوعي، تعيد ترتيب سلّم القيم، فنضع الكبار فوق رؤوسنا، لا كطقسٍ شكلي، بل كاعترافٍ حقيقي بفضلهم. وأن نعلّم الأجيال أن القيمة ليست فيما يلمع سريعًا، بل فيما يبقى طويلًا.

في زمنٍ تتصدّر فيه رموز التفاهة الرقمية، من "الماكروز" إلى "الفاشينيستا" و"البلوغرز"، و"فروخ العلم"، المشهد العام، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى استعادة الرموز الحقيقية: رموز العلم، والخبرة، والتجربة. فالأمم لا تُبنى بالضجيج، بل بالمعرفة، ولا تُخلّد بالسطحية، بل بالعمق. والموصل، تلك الغابة، لا تزال تنبض. وكلُّ من يقترب منها بقلبٍ مفتوح، سيكتشف أن الأشجار هناك لا تظلل الأرض فقط، بل تظلل الذاكرة، وتحرس الحلم، وتهمس: هنا، مرّ التاريخ، وما زال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.