: آخر تحديث

الإعارة إلى الجامعات: حين يختل ميزان العدالة المهنية في التعليم

1
1
1

في المنظومة التعليمية الحديثة، لا يُقاس نجاح السياسات بسلامة نصوصها فقط، بل بقدرتها على إنتاج شعورٍ عامٍ بالإنصاف داخل الميدان. ومن هنا يطفو على السطح ملفّ الإعارات التعليمية إلى الجامعات بوصفه حالةً تستحق قراءةً هادئةً وعميقةً، ليس بدافع الاعتراض الانفعالي، بل بدافع الحرص على صحة البيئة المهنية التي يُفترض أن تكون الأكثر حساسيةً للعدالة التنظيمية.

الصورة كما يراها الميدان واضحةٌ في ملامحها: معلمٌ أو مشرفٌ تربوي يُعار إلى جهةٍ جامعية، فينتقل عمليًا من عملٍ ميدانيٍ ضاغطٍ إلى عملٍ إداريٍ أو تنظيميٍ مختلفٍ في طبيعته اليومية، بينما تبقى مزاياه المالية والوظيفية مرتبطةً بسلم المعلم الميداني. في المقابل، يبقى المعلم في الصف يواجه عبء الحصص، وتباين مستويات الطلاب، ومتطلبات التقويم المستمر، وضغط المبادرات والتكليفات. هنا لا يتشكل الاعتراض من فراغ، بل من مقارنةٍ حسّيةٍ يوميةٍ بين جهدين مختلفين يُعاملان تعويضيًا بمعيارٍ واحد.

المشكلة في جوهرها ليست شخصانية، ولا هي حكمًا على كفاءة المعارين، فكثيرٌ منهم كفاءاتٌ وطنيةٌ محترمة، وقدّموا عطاءً حقيقيًا في مواقعهم. لكن الإشكال تنظيميٌ بنيوي؛ حين ينفصل هيكل الحوافز عن طبيعة العمل الفعلية، تبدأ المنظومة في إنتاج تشوّهٍ إدراكيٍ لدى القاعدة المهنية. المعلم الميداني لا يحتج لأنه يحسد، بل لأنه يبحث عن منطقٍ مهنيٍ متماسكٍ يفسّر له لماذا تساوى من يعمل تحت ضغط الصف اليومي مع من انتقل إلى بيئة عملٍ مختلفةٍ في مستوى الكثافة المهنية.

علم الإدارة العامة يحذّر مبكرًا من هذه الحالات؛ ففجوة العدالة المدركة تُعد من أسرع العوامل تأثيرًا في خفض الدافعية المؤسسية. الموظف قد يتحمل ضغط العمل العالي، لكنه أقل قدرةً على تحمّل الإحساس بعدم التوازن في توزيع المزايا. ومع الزمن، لا يبقى الأثر في حدود التذمر العابر، بل يمتد إلى سلوكياتٍ أعمق: تراجع الحماس، ضعف المبادرة، ارتفاع الرغبة في البحث عن مسارات خروجٍ من الميدان، وتآكل الثقة في عدالة الفرص.

الأخطر من ذلك أن المناطق الرمادية في أي نظامٍ وظيفي، حتى لو كانت محدودة، قد تُنتج بيئةً خصبةً لما يسميه خبراء الحوكمة الفساد الإداري الناعم. هذا النوع من الفساد لا يقوم بالضرورة على مخالفاتٍ صريحة، بل على تشكّل انطباعٍ بأن الوصول إلى بعض المسارات الوظيفية قد يتأثر بعلاقاتٍ غير معلنةٍ أو بآليات اختيارٍ غير شفافة. وهنا تكمن الحساسية؛ فالمؤسسات لا تُقاس فقط بنزاهتها الفعلية، بل أيضًا بقدرتها على منع تشكّل الشبهة في الوعي الجمعي للميدان.

واستمرار الإعارات طويلة الأمد دون مراجعة أثرها على احتياج المدارس يخلق فجوةً تشغيليةً صامتة. فكل معلمٍ يغادر الميدان، ولو مؤقتًا، يترك خلفه عبئًا يُعاد توزيعه على زملائه أو يُغطّى بحلولٍ مؤقتة. ومع تراكم الحالات، يتحول الأثر من حالةٍ فرديةٍ إلى ضغطٍ هيكليٍ على المدارس، خصوصًا في التخصصات الدقيقة أو في المناطق التي تعاني أصلًا من شح الكوادر.

وإذا نظرنا إلى المشهد في سياق رؤية المملكة 2030، التي تضع جودة التعليم وكفاءة رأس المال البشري في قلب التحول الوطني، فإن حساسية هذه المسألة تتضاعف. الرؤية في جوهرها مشروع كفاءةٍ وعدالةٍ مؤسسية. وكل ممارسة، مهما كانت صغيرة، إذا أضعفت شعور المعلم بالإنصاف، فإنها تمسّ بشكلٍ غير مباشرٍ أحد أهم روافع التحول: المعلم نفسه.

المعالجة هنا لا ينبغي أن تكون انفعاليةً ولا عقابية، بل تنظيميةً ذكيةً ومتوازنة. فالإعارة أداةٌ مهمةٌ لتبادل الخبرات بين التعليم العام والجامعي، ولا يمكن الاستغناء عنها، لكن صحتها المؤسسية تتطلب ضوابط أكثر وضوحًا، من أبرزها:

مواءمة المزايا مع طبيعة العمل الفعلية خلال فترة الإعارة.

تحديد مددٍ زمنيةٍ منضبطةٍ غير مفتوحةٍ للإعارات.

إعلان معايير الاختيار بشفافيةٍ قابلةٍ للمراجعة.

قياس الأثر على الميدان التعليمي قبل التمديد أو التوسع.

إيجاد حوافز مقابلةٍ للمعلم الباقي في الصف بوصفه العمود الفقري للعملية التعليمية.

هذه الإجراءات لا تستهدف أشخاصًا، بل تحمي المنظومة من اختلالاتٍ صامتةٍ قد تتفاقم مع الزمن.

إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث في أي نظامٍ تعليميٍ ليس نقص الموارد، بل تآكل الإحساس بالعدالة المهنية. فالمعلم الذي يشعر أن النظام منصف، يستطيع أن يتحمل ضغط الصف، وأيضًا الحصص، وتحديات التغيير. أما حين يبدأ ميزان العدالة في الاضطراب، ولو إدراكيًا، فإن الخسارة لا تكون في بندٍ مالي، بل في الروح المهنية ذاتها.

والتعليم لا يقوم على الأنظمة وحدها، بل يقوم أولًا على قلوبٍ تشعر بالإنصاف وهي تدخل الفصول كل صباح.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.