سياسة السلطة المنتصرة في سوريا اليوم مُفكَّر بها ومختارة بعناية وعمق سياسيَّين واضحَين، وبخبرة متمرِّسة في إدارة الشعوب. وهذا يستحيل على هيئة تحرير الشام أو ثوّار إدلب أن يكون خيارًا منهم، وإنَّما هناك مخطَّط استراتيجي أكبر.
فلو أنَّ السلطة الحالية اعتمدت الخط "الثوري" لسقطت في الشهرين الأوَّلين، وذلك لسببين: الأوَّل خلافاتهم مع نهج الهيئة، والثاني قلَّتهم العددية وفقرهم السياسي في سياسة بلد مثل سوريا.
ولو اعتمدت السلطة على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب" لسقطت قبل ذلك، بفعل تسلُّط الروح الأسدية على عمق الدولة، وإن غادرها الأسد بجسده، ففكره وروحه يسيطران على أركان البلد ويسريان في شرايينه.
فلم يبقَ أمامها إلَّا تهييج الولاء الطائفي بنكهته السنية، فكل سنّي، في الغالب الأعم، هو جزء في هذا النظام ومقبول مهما كان ولاؤه السابق وصنيعه الماضي. وبذلك ضُمن سكوت تسعين بالمئة من السنّة عن ولائهم القديم، لأن السنّة العرب في أوَّل سنة المظاهرات كانوا الوجه الآخر للعلوية السياسية، فكلتا الطائفتين كانتا فيهما نسبة تأييد الأسد تقارب 90 بالمئة. وهذا على خلاف باقي المكوِّنات، فالأكراد أكثرهم ونسبتهم الساحقة كانوا ينفرون من هذا النظام، والدروز نصفهم لديهم نفور مبطن وذاكرة قلقة ومحمَّلة بالإكراهات تجاهه.
المخطَّط يعلم أن زهاء 70 بالمئة من سنّة سوريا في المدن التي ليس فيها احتكاك طائفي كان هواها أسديًّا إلى يوم 7 كانون الأول (ديسمبر) 2024.
ولذلك كان الخيار الطائفي هو الأسلم والأنفع.
ونحن اليوم نعيش سلطة الطائفية السنية، بعد عقود من سلطة الطائفية العلوية.
نعم، ثمَّة اليوم تعامل مدني وحضاري في أكثر دوائر الدولة ومؤسَّساتها، دعك من ضجيج الميديا وتزييفها، ولكن هذا كان سمة العهد القديم أيضًا، فمن قال إن علوي النظام القديم كان وحشًا مفترسًا؟ على العكس، أكثرهم، عدا السلك الأمني، كان نزوعه مدنيًّا وطنيًّا. وتبقى الاستثناءات هنا وهناك في العهدين، ومن البدهي والطبيعي أن تكون الاستثناءات الطائفية أو غير المدنية هي التي تترسَّخ في الذاكرة وتعلق في البال. فأنت لو مررت على تسع محطَّات مدنية وواحدة طائفية، سيتعكَّر يومك وتنسى التسع.
بل إن المزاج الشعبي السوري وطبيعة نوعَيهِ، الطائفي والقبولي، يجعل احتمال شعبية الأسد، بالرغم من كل فدائحه، ما تزال أعلى بكثير من شعبية الشرع، بالرغم من مزاعم مزاج اليوم، في شارع جماهيري من طبعه الزئبقيَّة والكمون والتقلُّب والقبول. ولهذا علينا أن نتساءل: ماذا لو أطَلَّ الأسد بأي صيغة من صيغ الظهور؟ وأين تلك المقابلة التي قيل إنَّه سيجريها قريبًا؟ وما هي الجهود والضغوط وربَّما الأموال التي دُفعت لتعطيلها؟ فما النتائج التي كانت ستكون لو أُجريت وظهر على شارع هذه طبيعته وهذا تكوينه السياسي؟
بل لك أن تتخيَّل نغمة الشارع ونبرته لو أنَّ الأسد قبِل بتفاهمات أردوغان وما زال على رأس هرم السلطة، ماذا كانت ستكون طبيعة عبارات اللعن والشتم والتخوين والابتهاج بالخلاص لو أنَّه ما زال؟ هل كان سيقدِر معظم لاعني اليوم على كرامة الصمت أقلَّها، وعلى جمر الصبر على تجنُّب موبقة التبجيل وعبارات الحب والفخر والاعتزاز، ومن المصادر ذاتها وبعينها التي تلعن اليوم؟
بل إن خطابات الأسد وتنظيره ما يزالان متقدِّمَين على خطاب الشرع وتنظيره، في العدالة والوطنية والقيم الأخلاقية. أمَّا التطبيق فمتشابه في النوعية مع فارق الكمية نتيجة طول الحقبة الأسدية.
وللتنبيه، فإن التحريك الطائفي لا يحتاج إلى ذكاء خارق أو جهد جبَّار، لأنَّه غريزة بشرية يمكن أن يهيِّجها مراهق في الشارع. وهي لا تخضع لمنطق الصواب والغلط، ففي الهيجان الطائفي الكل مصيب والكل مخطئ، أشبه بجزيء ذرّي فيه الوجهان.
وكذلك، فإن النظام الطائفي ليس له حقيقة طائفية مستغرقة عناصرها ومكوِّناتها وقضاياها، كما يقال في علم المنطق، وإنَّما هي ظاهرة فينومينولوجية وهمية تصوُّرية، لا مستفيد فيها ومنها إلَّا السلطة.
وهذه هي الطائفية السياسية التي قصدها جلال العظم في حديثه عن مفهوم "العلوية السياسية"، لأنَّها طائفية وهمية سياسية لا اجتماعية، أي مقتصرة على التصوُّر السياسي وحسب. فنحن اليوم أمام تشريع "سنية سياسية" ظاهرية وهمية تُخلِف علوية سياسية وهمية، لتحقيق حقيقة سلطوية وتثبيت أركانها ودعائمها، في دولة يعاني شعبها من حالة ثنائية القطب النفسي الشعبي المتأصِّل تربية.


