في كلِّ مرةٍ يُفتحُ بابُ مجلسِ النواب، تنقلبُ الكاميراتُ على وجوهٍ مألوفةٍ، كما لو أنَّ التاريخَ يعيدُ نفسهُ في نسخةٍ مؤجَّلةٍ. هناك نفسُ الابتساماتِ المدروسةِ، ونفسُ الخطاباتِ المعلَّبةِ، ونفسُ الوعودِ التي تتهشَّم قبل أن تخرجَ من أفواههم. هؤلاء النواب ليسوا مجرَّدَ ممثلين؛ هم أرشيفٌ حيٌّ لفشلِ الدولةِ اللبنانيةِ بأكملها، سجلاتُهم التصويتيةُ والقانونيةُ تتحدَّثُ عن سنواتٍ من القروضِ الجائرةِ، والصفقاتِ المشبوهةِ، والقوانينِ التي أعادت توزيعَ الثروةِ على الزمرِ الضيقةِ، بينما المواطنُ يبقى رهينًا في متاهةِ الانتظارِ والخذلانِ.
الطامةُ الكبرى ليست في فسادهم وحدهُ، بل في إعادتهم تمثيلَ دورِ القضاة على ملفاتٍ كانوا أطرافًا فيها، كأنَّ من أشعل النارَ هو نفسهُ الذي يقرِّرُ عقوبةَ المشتعلين. ليس هذا صدفةً، بل نتاجٌ طبيعيٌّ لنظامٍ طائفيٍّ-عائليٍّ مدروسٍ، يُعيد تدويرَ الفاشلين ليبقوا فوق السلطةِ، ويضمن أن تنسحب أيُّ محاسبةٍ شعبيةٍ أو دوليةٍ أمام ماكينةٍ محكمةِ التهيئةِ السياسيةِ.
النظامُ اللبناني لا يخلقُ سياساتٍ فقط، بل يخلق نُخَبًا منيعةً ضدَّ أيِّ مساءلةٍ، كطبقةٍ من "الآلهةِ الصغيرة" الذين يسنّون القوانينَ التي تحميهم، ثم يختبئون خلفَ حصانةِ البرلمانِ. قوانينُ الانتخابِ المشوَّهَةِ، التحالفاتُ تحت الطاولةِ، وتوظيفُ المالِ السياسيِّ والخدماتيِّ، كلُّ ذلك يصنعُ "ماكينةَ إعادةِ تدوير" تضمن أنَّ من يملك الولاءَ الطائفيَّ أو العائليَّ سيعودُ دومًا إلى مقعدِه، بغضِّ النظر عن أيِّ سجلِّ فشلٍ. المواطنُ ليس ناخبًا حرًّا، بل رهينةً بين خيارين: سيئٌ وأسوأ، حيث الولاءُ بديلًا عن الكفاءةِ، والطائفةُ بدلَ النزاهةِ.
نوابٌ صوَّتوا لإعفاءِ شركاتٍ وهميةٍ من الضرائبِ، ثم يتحدَّثون عن العدالةِ الضريبيةِ؛ وزراءٌ أشرفوا على انهيارِ مؤسساتٍ أساسيةٍ مثل الكهرباءِ والاتصالاتِ، ثم يشكِّلون لجانًا لمراقبتها. تناقضٌ صارخٌ بين الجاني والقاضي، بين من أثقلَ البلدَ بالديونِ ومن يتحدَّث عن الإصلاحِ. الخطابُ النيابي، في أفضلِ الأحوالِ، يشبه مسرحيةَ عزاءٍ للرأي العام الدولي والمؤسساتِ المانحةِ. هو استعارةُ لغةِ الإنقاذ، بينما البنيةُ الحقيقيةُ للنظامِ مُصمَّمةٌ على استمرارِ النهبِ. البعضُ منهم يستثمرُ كارثةَ شعبِه ليعيد إنتاجَ نفسه سياسيًا، مقدِّمًا نفسه كـ"خبيرِ أزمةٍ" أو "وسيطٍ لا غنى عنه"، لتصبح المساعداتُ الخارجيةُ وقودًا جديدًا لآلةِ الزبائنيةِ والفسادِ.
الزبائنيةُ هنا ليست مجرَّدَ ترفٍ سياسيٍّ، بل محرِّكٌ رئيسيٌّ للدورةِ المفرغةِ. النوابُ ليسوا في السلطةِ بفضلِ الكفاءةِ، بل بفضل كونهم وكلاءَ للطوائفِ والعائلاتِ، يوزِّعون المنافعَ ويضمنون الولاءَ عبر شبكةٍ معقَّدةٍ من الوعودِ الكاذبةِ والرهاناتِ على الخوفِ، ما يجعل أيَّ مساءلةٍ شعبيةٍ شبهَ مستحيلةٍ. هكذا يترسَّخ انعدامُ الثقةِ بين المواطن والدولةِ، وتتعمَّق الهوةُ بين التوقُّعاتِ والواقعِ.
الجيلُ الجديدُ لم يعد يصدِّق الخطاباتِ القديمةِ، بل راح يكتب سجلاته الخاصةَ للفسادِ على جدرانِ الإنترنتِ وفي قاعاتِ المحاكمِ الشعبيةِ الافتراضيةِ. وعيٌ جديدٌ ينمو، يفهم أنَّ المعركةَ ليست ضد وجوهٍ بعينها، بل ضد المنظومةِ التي تصنع وتعيد إنتاجَ هؤلاء الوجوهِ نفسها. المعركةُ الحقيقيةُ هي من أجل قوانينَ انتخابٍ عادلةٍ، فصلٍ فعليٍّ للسلطاتِ، ومحاكماتٍ تنطلق من استقلاليةٍ تامَّةٍ.
بعد الحربِ، وأثناء بعض الاحتجاجاتِ، ارتفع صوتُ المطالبةِ بالمحاسبةِ. لكن ماكينةَ النظامِ الطائفيِّ أعادت تدويرَ الوجوهِ نفسها، وأبقت الأطرَ القديمةَ صامدةً، مؤكِّدةً أنَّ التغييرَ على المدى القصير شبهُ مستحيلٍ. دورةٌ متكرِّرةٌ تعكس هشاشةَ المؤسساتِ وغيابَ الإرادةِ الحقيقيةِ للإصلاحِ، حيث الجاني هو القاضي كقاعدةٍ، وليس استثناءً.
جلساتُ البرلمان، إذًا، ليست ديمقراطيةً بقدر ما هي مرآةٌ لتناقضها الأكبر: الإرادةُ الشعبيةُ تُختزل في طقوسٍ انتخابيةٍ عقيمةٍ، تُنتج نفسَ الطبقةِ الحاكمةِ تحت شعاراتٍ متجدِّدةٍ. والنتيجةُ: جمهورٌ يجوع على مقاعدِ المتفرِّجين، بينما الجناة يلبسون رداءَ القضاة، ويواصلون المسرحية.
السؤالُ المصيري: إلى متى سيظل اللبناني رهينةً في هذا المسرح؟
هل سينهض الشعب ليكتب الفصلَ الجديد، أم يظل الوعي محبوسًا بين جدران الندوات ووسائلِ التواصل الاجتماعي؟
الشعوبُ التي تدرك أنَّ سجَّانيها هم من كسروا النافذة، لا تطلب منهم إصلاح الزجاج، بل تحطِّم الإطارَ كلَّه وتستعيد حجرَ البناءِ الأول.


