: آخر تحديث
تفكيك الداخل عبر الضغط الخارجي:

عسكرة العشيرة من بيت حماية إلى خزان دم

2
2
3

إذا كانت العشيرة في أصلها تدبيرًا لديمومة الحفاظ على معادلة الحياة، وصونًا لها من أية أخطار محدقة، في ظل غياب دولة تحميها وغياب قانون يردّ عنها شبح الخطر الداهم الدائم، مشكلةً رابطة القربى كي تصبح سورًا في وجه الطبيعة والحرب والجوع، قبل أن يتطوّر المجتمع وتظهر المؤسسات التي يُفترض أنها تحمي جميع المواطنين، فإنه كان المتوقع أن تتراجع العشيرة إلى دور اجتماعي هادئ، تفهم مرحلتها الجديدة بعد ظهور الدولة، لا أن يُقذف بها إلى الوراء. إذ إن السلطات السورية، قديمها وجديدها، أبقتها أداة احتياطية عمدًا، لا حبًّا بها، إنما لأن الحاكم، أيًّا كان، يحتاج كتلة بشرية جاهزة للاستدعاء في ساعة الضرورة، لا يهمّها ما تقدّمه من قرابين على مذبح كرسيها وعرشها وسردية أحقيتها المزوّرة بالمهمة المغتصبة، وإن تحت يافطات فضفاضة، قومية أو دينية، ليجري تحويلها من مظلة حماية إلى أداة ضغط، ومن شبكة تكافل إلى خزان تعبئة.

معطيات مثل هذه المقدمة ظهرت لنا جليًّا، وعلى نحو ميداني، منذ 2004 كاملة بلا رتوش، إذ إن النظام البعثي الأسدي الساقط حرّض وجوهًا عشائرية على الكرد، حيث فُتحت شهية النهب تحت رعاية أمنية صريحة، فأقدم عناصر الأمن على حصار الكرد في أحيائهم، وهم يداهمون بيوتهم محرضين، ومفسحين المجال لمن يقتحم وسرقة مصادر أرزاقهم. إذ تم السطو على محال الصاغة والمتاجر والبيوت، وحُمِلت الثلاجات والتلفزيونات وأكياس السكر والرزّ على الأكتاف، في مشاهد مضحكة من قبل من هم جيران وأخوة. وقد نُشرت أكثر من صورة وأسماء مجموعة من هؤلاء اللصوص في موقع "كسكسور"، بعد أن وثّقها بعض الشباب، ومنهم الناشط نصرالدين أحمي، كأن المدينة غنيمة حرب لا مكانًا تعيش فيه مكوّناتها جيرانًا منذ عقود. ما حدث في قامشلي تكرّر في سري كانيي ثم في الحسكة، وهكذا صار اسم العشيرة ملتصقًا بصورة السارق، بالرغم من أن الفاعل الحقيقي جلس خلف الستار، ومنهم من كانوا شركاء لأفرادها، في قصص صار الجميع يتندّر بها.

بعيد انتفاضة 12 آذار (مارس) 2004 تحرّكت أجهزة الأمن بسرعة مدروسة، محرّكة أدواتها المرتبطة بها، وتداعت وجوه عشائرية على عجل إلى اجتماع في قرية جرمز، حيث طُرحت الفكرة بلا مواربة من قبل بعضهم، ترجمة الغضب نحو الكرد ومواجهة الكرد. جرى الأمر، كالعادة، تحت إشراف مخابراتي مباشر، كما أكّد لي الصديق إبراهيم باشا المللي. هذا الطرح لم يكن رأيًا بل توجيهًا من قبل أجهزة النظام ورؤوس الفتنة، إلا أن المطلب ووجه بالرفض من قبل بعض المنصفين الحكماء، وانقسم المجلس على نفسه، إذ ارتفعت أصوات ترفض الزجّ بالعشيرة في عداء مع جيران عاشوا معهم وتشاركوا الخبز والماء. وقال أصحاب هذا الرأي الوطني المنصف بوضوح إن الدم الكردي ليس مباحًا، وإن اقتلاع الجار والاستقواء عليه بسلاح السلطة الذي بدأت بتوزيعه على نطاق نقاط التماس سيبقى عارًا في الجبين طويلًا. هذا الرفض أقلق المحرّضين، فمارسوا ضغطًا وتهديدًا وعزلًا اجتماعيًا، فتراجع الصوت المحرّض، وتقدّم خطاب الرفض، وهكذا خُطف قرار العشيرة من يدها ودُفعت دفعًا إلى دور لم تختره. منذ تلك اللحظة بدأ اسمها يُستعمل كواجهة لعمل أمني قذر، كما استُخدم في الجنوب السوري.

اندلاع الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 فتح بابًا جديدًا لتأزيم العصبية، حيث حاول النظام صناعة قوة تابعة له تحمل أسماء متبدّلة، تجمعها ميليشيا ما تسمّى "الجيش الوطني"، في مقابل "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكّلت على مراحل، متضمّنة أكثر من قوة مسلحة، قوات الحماية الشعبية، ي ب ك، ي ب ج، التي كانت نواتها غيارى توهّم كثيرون منهم أنهم يعملون من أجل تحرير جزئهم الكردي الملحق بسوريا. في موازاة ذلك، جرى تطبيق التجنيد الإجباري حتى بحق القصر، طفلات وأطفالًا، كما انضم آلاف الكرد وأبناء العشائر بدافع الحاجة والحصار، إذ إن الفقر المدقع يدفع الشاب إلى أقرب مصدر رزق، أو بدافع الحمية وحماية القرى من هجوم آخر، عندما كانت قطعان الميليشيات التركية تمارس الخطف وطلب الفديات. وهكذا فإن الدم الذي سال من أجساد بنات وأبناء قسد لم يكن شعارًا دعائيًا كما أريد له، بل كان نتاج زهق أرواح شابات بطلات وشبان أبطال فعليين، خلّفوا وراءهم أسماء حركية وبعض قبور، وأمهات ينتظرن عودة لن تحدث. هذه حقيقة لا يجوز محوها.

غير أن انخراط العشيرة في ميدان تسليحها خلق انقسامًا داخليًا قاسيًا، حيث صار الأخ في جهة أو جبهة وابن العم في جهة أو جبهة. بل أكثر من هذه الثنائية، إذ وضعت ضغوط النظام وتركيا، ومن ثم بعض دول الخليج، بعد سقوط حكم البعث والأسد، حدًّا لهذا الواقع، دافعة نحو تفكيك هذا الارتباط، وهي تستعيد الخطاب القديم، عودوا إلى العشيرة لمواجهة الكرد. الخطاب ذاته، اليد ذاتها، الهدف ذاته. الدم الكردي مطلوب دائمًا وقودًا لإعادة إنتاج سلطة منهارة، كي يغدو بعض هؤلاء حصان طروادة في الحيين الكرديين في حلب، ومن ثم في دير حافر، وليستأثر كثيرون بما في حوزتهم من أسلحة استحصلوا عليها، من خلال ترديدهم، القائد أوجلان.

موقف النخب الكردية لم يكن دعوة إلى التمدّد الارتجالي غير المدروس، إذ إن إرسال الشباب إلى جبهات بعيدة استنزف القوة وأضعفها، حيث تزامن ذلك مع حصار اقتصادي خانق ودعم إقليمي مفتوح لخصوم شرسين. وهكذا تحوّل التوسّع إلى عبء، وصارت الجغرافيا الواسعة فخًّا. إذ إن سوء التقدير السياسي أضاف خسائر كان يمكن تجنّبها، لأن الثقة المفرطة، كما هو معروف، تسوّغ الهزيمة أحيانًا.

إن أخطر ما جرى تمثّل في تحويل العشيرة إلى وظيفة عسكرية بين طرفين هما قسد والميليشيات التابعة لتركيا وقطر، التي بدأت منذ بداية الثورة في مواجهة الشعب الكردي. وقد جاء قرار دمشق الجديدة ليكرّر الخطأ، من خلال عسكرة العشيرة على حساب الإرث التاريخي بين المكوّنات المتداخلة، لا سيما العرب والكرد، لتكون جيشًا يجهز على الرابط التاريخي الوطني الاجتماعي، ويتحوّل أبناؤها إلى دروع بشرية. ومعروف أن الزعيم يبدّل ولاءه مع كل مرحلة، بينما الشاب البسيط يدفع الثمن دائمًا، من دون أن تكون هناك أية قناعة راسخة.

وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي القاتل، إذ إن القوة التي بُنيت على عجل من قبل قسد بدعم أميركا توهّمت أن الكثرة العددية، لا النوعية، تعني ديمومة العملقة والصلابة، حيث وصلت نسبة أبناء العشائر داخل تشكيلاتها إلى ما يقارب السبعين بالمئة، فبدت كأنها متماسكة ظاهرًا، بينما كانت في حقيقتها رخوة من الداخل، لأن الانتماء لم يكن قائمًا على فكرة سياسية راسخة بل على الحاجة والراتب الممنوح مقابل القبول بأن يراهن المستفيد، تحت وطأة الجوع والخوف من الفراغ، على دمه وروحه. وهكذا صار الباب مفتوحًا أمام الاختراق منذ اللحظة الأولى، باعتبار أن من يدخل بدافع المعيشة يمكن سحبه بدافع التهديد أو الإغراء.

لا بدَّ من الاعتراف أن مثل هذا الدرس واضح وقاسٍ، درس الاعتماد على العصبية العشائرية لبناء جيش. إنه خطأ يتكرّر، فمن يُخترق اليوم سيُخترق غدًا، وهلمّ دواليك، إذ إن أية جهة قادمة ستعيد الوقوع في الفخ إن كرّرت الرهان ذاته، لأن الولاء الذي لا يقوم على عقد سياسي ووعي مشترك يبقى مؤقتًا، ينقلب عند أول منعطف.

أجل، إن سياسة الاعتماد على العشيرة لإدارة صراع مسلح تعني عمليًا نشر بذور حرب أهلية مؤجّلة، إذ إن البندقية حين تُسلَّم إلى رابطة دم لا تبقى خاضعة لقانون، بل تنقاد للثأر والغضب، وعند أول شرارة يتحوّل الخلاف السياسي إلى اقتتال أهلي طويل. عند تلك اللحظة لا يعود أحد قادرًا على إطفاء النار.

وعلينا جميعًا أن نركّز على أمر جدّ ضروري، ألا وهو كيف نجنّب منطقتنا وبلدنا حربًا أهلية تتوسّلها سلطة دمشق المؤقتة وترى فيها عامل ديمومة كرسيها. وذلك من خلال إعادة نشر الوعي في لحظة العماء والتضليل العام، للتأكيد أن طريق الخلاص واضح، بالرغم من مخلفات الجرح العام الذي عاناه جميع الأطراف. إذ لا يمكن العيش المشترك عبر عصبيات، إنما عبر دولة فيدرالية عادلة تحترم التعدّد وتوزّع السلطة والموارد بميزان قانوني، حيث يصبح الانتماء للمواطنة في صورتها الحقيقية، وفي إطار حرمة المكوّن لا في إطار القبيلة، على أن يعود دور العشيرة إلى السند الاجتماعي لا الجبهة القتالية.

لكل هذا فإن علينا أن نسعى لكي تعود العشيرة بيت توادد وتحابب جامعًا، مجلس صلح، سندًا وقت الشدّة، لا معدّة أكفان وتوابيت لقوافل ضحايا أبرياء، ولابد من أن تخرج من بين يدي المسلّح الأميري، عائدة إلى أيدي أبناء المجتمع، كي تبقى نبراسًا معتبرًا جليلًا فاعلًا للحماية لا أداة مؤقتة لتنفيذ خطط التهويس للقادم وطعن ظهر غير المرغوب به وفق إرادة خارجية تخطّط لمستقبلها لا مستقبل العشيرة وجيرانها، بالرغم من ما نتج عن خلل المعادلة الخبيث من إلحاق الأذى بهذا الرباط بين المكوّنات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.