بعد نجاح الحصار البحري والجوي على فنزويلا، والذي أدّى في النهاية إلى اختطاف مادورو ووضع نهاية لحكمه الدكتاتوري، كما يبدو لي أن ترامب قد أعجبه هذا السيناريو الذي تكلّل بالنجاح، وأنه يريد أن يطبّقه في الحالة الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة المتغيّرة بين الحالتين.
حصار أميركي مُحكم جوّاً وبحراً على كل الصادرات والواردات من وإلى إيران، وطرق الملاحة البحرية والبرّية حول إيران، "بالرغم من الثمن الباهظ الذي سيدفعه العالم في حالة غلق مضيق هرمز لأجل ذلك"، ربما سيؤدّي في النهاية إلى خضوعها وموافقتها على كافة الشروط الأميركية المعلومة للجميع.
الرهان هنا هو التهديد الفعلي والوجودي لبقاء النظام الإيراني، وهو أمر ربما يعي ويعلم مدى جديته وخطورته المرشد والحرس الثوري معه.
فالمعركة هي معركة بقاء أو فناء، كما تصفها الكثير من التقارير والتحليلات للمشهد من خارج حدود إيران السياسية.
ولا بدّ لنا ألّا ننسى أن إيران قد دمّرت أسطورة مناعة إسرائيل ضد أي تهديد حقيقي لها بعد أن أمطرتها بمئات الصواريخ التي وصلت إلى أهدافها المرسومة في العمق الإسرائيلي.
لقد أنهت إيران حقيقة مناعة البعبع الصهيوني وهيمنته العسكرية في المنطقة، بالرغم من كل التفوّق الجوي الذي تمتلكه إسرائيل والذي شاهدناه في حرب حزيران الماضي، والتي دمّرت فيها العديد من الأهداف المنتخبة في العمق الإيراني بالمقابل، ولكن بالرغم من كل ذلك، وبالرغم مما تكبّدته إيران من خسائر كبيرة ومؤثّرة، فقد مرغت إيران أنف الصهاينة بالتراب ومزّقت أسطورة تفوّقهم ومنعتهم.
لقد دخل صدام حسين التاريخ من أوسع أبوابه، وأصبح رمزاً تتغنّى به الشعوب العربية، بعد أن ضرب تل أبيب بعدّة صواريخ غير مؤثّرة في تسعينات القرن الماضي ليكسر أسطورة تفوّقهم في ذاك الوقت، وقد دفعت بلاده وشعبه ودولته، وبالتالي حياته، ثمناً لتلك الصواريخ الأربعين.
هذا الأمر يتشعّب ويصبح أكثر تعقيداً في الحالة الإيرانية اليوم، فربما يدفع ذلك الملالي وحرسهم الثوري للتعنّت، ولتأخذهم العزّة بالنفس لخوض معركة خاسرة ستؤدّي في النهاية إلى المخاطرة والمقامرة بالنظام كلّه، وكما فعل صدام حسين من قبل، وربما تغلب عليهم الحكمة والحنكة والدهاء، والذي اتّصفوا به كملالي أولاً، وثانياً كفرس دهاة في سياسة حافة الهاوية التي يتقنونها بامتياز، كركيزة استمدّ منها حكمهم عناصر بقائه وديمومته منذ عام 1979.
لقد باتت أجنحة المقاومة التي تفخر بها إيران كأذرع عسكرية لها في لبنان واليمن والعراق مجرّد عبء عليها يثقل كاهلها في خضم هذا الضغط الوجودي الهائل الذي يهدّد بقاء النظام، وبات الوضع في العراق ولبنان واليمن هو مجرّد أضرار جانبية سيتحدّد مصيرها النهائي بعد حسم حالة اللا حرب واللا سلم بين أميركا وإيران.
ولكن المؤكّد أن أجنحة محور المقاومة هذه، في كلتا الحالتين، السلم أو الحرب، هم الخاسرون وفي طريقهم إلى الزوال، وبإرادة تغيير دولية لا ترحم.
أميركا اليوم، تحت إدارة ترامب، لا تسير تحت مظلّة وشعارات ديمقراطية وحرية الشعوب الكاذبة، بل تجاهر بالحقيقة ولا تخشاها، فالمصالح فوق كل شيء، وأي نظام أو قائد قوي يحقّق المعادلة الصعبة في التوازن الدقيق بين مصالح شعبه ومصالح الغرب وإسرائيل هو الذي سيسود ويحكم ويحظى برضى دولي وأميركي.
لقد قالها المفكّر والفيلسوف الأميركي المعاصر نعوم تشومسكي قبل أربعة عقود، إن أميركا لا تشجّع قيام أنظمة وطنية لا تتّفق مع مصالحها.
لن تستمر حالة اللا حرب واللا سلم طويلاً، فالتكلفة عالية جداً، ومن الصعوبة أن يتحمّلها أي طرف طويلاً، فهناك جبهات أخرى مشتعلة حول العالم ليست بمنأى أو معزولة عمّا يحدث في هذا الصراع، فالكل مرتبط بسلسلة المصالح وتقديم التنازلات.


