ليست الهوية الوطنية معطًى جامدًا يُسلَّم من جيلٍ إلى جيلٍ كما تُسلَّم الوثائق، بل هي كائنٌ حيّ، يتشكّل في الوعي، ويتغذّى من الذاكرة، ويتجدّد عبر الفعل الثقافي. وفي قلب هذا التشكّل يقف المثقف، لا بوصفه شاهدًا محايدًا على التاريخ، بل بوصفه فاعلًا في صناعته، ومؤتمنًا على معناه.
المثقف الحقيقي لا يكتفي بترديد الشعارات الوطنية، ولا يختزل الانتماء في خطابٍ عاطفيٍّ عابر، بل يمارس دورًا أعمق وأدقّ، إعادة صياغة الأسئلة الكبرى حول من نكون، وكيف نرى ذواتنا، وما الذي يجعل هذا الوطن جديرًا بأن يُحَبّ ويُدافع عنه. فالهويات لا تُصان بالخوف، بل بالوعي، ولا تُحمى بالإقصاء، بل بالفهم النقدي الذي يميّز بين الثابت والمتغيّر، وبين الجوهر والتقليد.
من هنا، يصبح المثقف وسيطًا بين الذاكرة والتاريخ. يستدعي الماضي لا لتمجيده تمجيدًا أعمى، بل لقراءته قراءةً نقدية تُنقّي الوعي من الأساطير الزائفة، وتستخلص من التجربة الوطنية عناصر القوة والمعنى. فالأمم التي تخشى مراجعة تاريخها محكومٌ عليها بتكرار أخطائه، أمّا الأمم التي تمتلك مثقفين شجعانًا، فهي القادرة على تحويل التاريخ إلى معرفة، والمعرفة إلى بوصلة المستقبل.
كما أن دور المثقف لا ينفصل عن اللحظة الراهنة، فالوطن ليس فقط ما كان، بل ما يصير. وفي زمن التحولات المتسارعة، يصبح المثقف حارسًا للتوازن الدقيق بين الانفتاح والخصوصية، يرفض الذوبان في الآخر باسم الحداثة، كما يرفض الانغلاق باسم الأصالة. إنه يدرك أن الهوية القوية ليست تلك التي تخاف من الاختلاف، بل تلك التي تمتلك من العمق ما يسمح لها بالحوار دون أن تفقد ذاتها.
وفي هذا السياق، تتجلّى مسؤولية المثقف في تفكيك الخطابات التي تشوّه مفهوم الوطنية، تلك التي تحوّلها إلى أداة تخوين، أو تلك التي تُفرغها من معناها الأخلاقي لتصبح مجرّد ولاءٍ شكلي. والمثقف، حين يكون وفيًّا لدوره، يعيد ربط الهوية بالقيم، بالعدالة، والكرامة، والمسؤولية المشتركة. عندها فقط تصبح الوطنية ممارسةً يومية، لا شعارًا موسميًا.
ولا يقلّ تأثير المثقف حين ينزل من برجه العاجي، ويخاطب المجتمع بلغةٍ تجمع بين العمق والوضوح. فالنخبوية الحقيقية لا تعني الانفصال عن الناس، بل تعني الارتقاء بالوعي العام، وصناعة خطابٍ قادر على أن يكون رفيعًا دون أن يكون متعاليًا. وحين ينجح المثقف في ذلك، تتحوّل أفكاره إلى قوةٍ ناعمة تُرسّخ الانتماء، وتحصّن المجتمع من التطرّف، أيًّا كان شكله.
في المحصّلة، المثقف ليس زينةً في هامش الوطن، بل أحد أعمدته الرمزية. إن غاب، تاه المعنى، وإن حضر بصدقٍ وشجاعة، استقامت البوصلة. وتعزيز الهوية الوطنية لا يكون بالصوت الأعلى، بل بالفكرة الأعمق، ولا بالانفعال العابر، بل بالعقل الذي يعرف أن حبّ الوطن فعلُ معرفة، قبل أن يكون فعلَ عاطفة.

