لم تكن الكلمة كبيرة، لكنها كانت ثقيلة، أو لنقل مفاجئة. كنت أمشي في الطريق كما يمشي الناس عادة: خطوة وراء خطوة، ذهن مشغول، قلب يحمل أشياءه بصمت، ووجه يظن أنه ما زال يعرف ملامحه. كان النهار عادياً إلى درجة الملل، والرياض تمارس سحرها المعتاد، وأنا أمارس حياتي كما لو أنها ستبقى دائماً قابلة للتأجيل.
ثم حدث الأمر ببساطة جارحة. شاب مرّ بقربي، لم يعرفني، لم يحمل في عينيه سوى أدب سريع، ابتسامة عابرة، وقال: "تفضل يا عمي".
يا عمي، كلمة واحدة فقط، لكنها فتحت باباً لم أكن مستعداً لعبوره.
شعرت كأن الطريق انشق عن مرآة خفية، ورأيت فيها شيئاً لم أره منذ زمن: رأيت الزمن نفسه وهو يبتسم بسخرية رقيقة.
يا عمي، ليست إهانة، ليست تقليلاً، ليست شيئاً يُغضب، هي مجرد تسمية طبيعية في قاموس الحياة، لكن المشكلة ليست في قاموس الحياة، المشكلة في قاموسنا نحن.
لأننا لا نسمع الكلمات كما هي، بل كما تُترجمها أرواحنا، وأنا في تلك اللحظة لم أسمع "يا عمي"، سمعت خمسين سنة كاملة.
رأيتني فجأة طفلاً يركض خلف أمه، شاباً يظن أن المستقبل حديقة مفتوحة، رجلاً يقاتل كي يصنع معنى، ثم رجلاً آخر يعتقد أن الوقت ما زال تحت سيطرته.
أين ذهبت كل تلك السنوات؟
كيف مرّت بهذه الخفة؟
كيف تحولت الأحلام الثقيلة إلى ذكريات خفيفة؟
أدهشني أن العمر لا يرحل بضجيج، لا يطرق الباب، لا يقول وداعاً، بل يتسلل مثل نسمة، ويترك خلفه أثراً لا ننتبه إليه إلا عندما ينادينا شخص غريب بكلمة بسيطة.
في لحظة واحدة، رأيت كيف أننا نعيش داخل وهم الاستمرارية. نعتقد أن الأيام تتشابه، وأن الغد نسخة محسنة من اليوم، وأننا سنملك وقتاً كافياً لنقول ما لم نقله، لنفكر أكثر، لنعتذر، لنبدأ، لنعود.
لكن الحقيقة أن الزمن لا يراعي نوايانا، الزمن لا يهتم بترتيباتنا، هو يمضي، ونحن نحاول فقط أن نبدو ثابتين أمامه.
تذكرت وجوه الرفاق المقاتلين الذين رحلوا، تذكرت الأصدقاء الذين صاروا أسماء، تذكرت المدن التي عبرتها، والليالي التي ظننتها طويلة ثم اكتشفت أنها كانت ومضات. أغرب ما في الأمر أن الإنسان لا يشعر بعمره وهو يعيش، بل يشعر به عندما ينعكس عليه من الخارج، كأننا لا نرى أنفسنا إلا في عيون الآخرين. ذلك الشاب لم يقصد شيئاً سوى الاحترام، لكنه دون أن يدري أعطاني تقريراً مختصراً عن حياتي:
لقد صرت في نظر العالم "عماً".
وهنا تكمن الفلسفة المؤلمة: نحن لا نكبر فجأة، نحن نُسمّى فجأة.
كبرت؟ أم أن الحياة هي التي كبرت حولي؟
هل أنا الذي تغيرت؟ أم أن الزمن غيّر زاوية النظر إلي؟
مشيت بعدها ببطء مختلف. ليس لأن قدمي تعبت، بل لأن روحي كانت تلتقط شيئاً جديداً: دفء النضج.
أدركت أن الخمسين ليست رقماً، بل طبقات من التجربة. هي وجع تعلّم الصبر، هي خيبات صارت حكمة، هي معارك لم يرها أحد، هي لحظات صمت صنعت إنساناً آخر. في الشباب نعتقد أن القوة في السرعة، وفي الكهولة نكتشف أن القوة في المعنى، وأن أجمل ما في العمر ليس أن نكون أصغر، بل أن نكون أعمق.
يا عمي،
ربما هي شهادة غير معلنة بأنني عبرت نصف الطريق، وأنني ما زلت واقفاً، وأنني ما زلت أملك قلباً يندهش.
هناك شيء مهيب في أن يدرك الإنسان أن الزمن ليس عدواً، بل معلماً قاسياً، يأخذ منا أشياء كثيرة، نعم، لكنه يمنحنا رؤية لا يملكها الشباب: رؤية أن الحياة ليست سباقاً، بل معنى يُصنع ببطء.
وفي النهاية، لم أغضب من الكلمة، بل ابتسمت لها، لأنني فهمت فجأة أن الاعتزاز الحقيقي ليس في إنكار العمر، بل في احتضانه.
أن تقول: نعم، مرّت خمسون سنة، مرّت بسرعة البرق، لكنني لم أكن مجرد رقم يمر، كنت إنساناً يعيش، يتألم، يقاتل، يسقط، يقوم، ويتعلّم. والفلسفة الأجمل أن الزمن لا يُقاس بما أخذ، بل بما ترك فينا من نور.
أنا لست "يا عمي" كعلامة نهاية، أنا "يا عمي" كعلامة وصول.
وصول إلى مرحلة لا أحتاج فيها أن أُثبت شيئاً لأحد، بل أحتاج فقط أن أكون صادقاً مع نفسي.
فليمرّ العمر كما يشاء، المهم أن يمرّ وأنا ممتلئ بالمعنى،
واقفاً باعتزاز، كأنني أقول للزمن أخيراً:
لقد أخذت الكثير،
لكنني ما زلت هنا،
أكبر لا كجسد يضعف،
بل كروح تعرف قيمتها أكثر.

