لقد تجاوزت حرب العامين على غزة الحدود الجغرافية الأصغر في العالم لتصل في تداعياتها إلى الحروب الكونية، بل يمكن القول إنها قاربت من تداعيات الحرب العالمية الثانية التي انتهت بالأمم المتحدة، والتي حدّدت هدفها بتحقيق السلام والأمن العالميين. وهنا المفارقة السياسية التي يشارك فيها المجلس العالمي الذي أفرزته حرب غزة، ومن اسمه يحمل العالمية وهدفه إدارة المنازعات الدولية والعمل على تسويتها، وهو ما يثير السؤال الذي يتم تداوله وطرحه من قبل كل المحللين: هل المجلس بديل للأمم المتحدة؟ وهل يُعد تنظيمًا جديدًا يشارك الأمم المتحدة مهامها ومسؤولياتها الدولية؟
المجلس، وإن حمل وصف العالمية، إلا أنه في الحقيقة يعكس طموح الرئيس ترامب الذي يرأس هذا المجلس، وله صلاحيات وسلطات تنفيذية مطلقة تفوق صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة. ويرى الرئيس ترامب أن هذا المجلس أميركي التكوين والهدف، ويتوافق مع عقيدة أميركا أولًا والأحادية الأميركية. فالنظام الدولي القائم، والذي تجسده الأمم المتحدة، لم تكن الولايات المتحدة القوة الرئيسة والوحيدة فيه، إذ شاركها الاتحاد السوفيتي أولًا ليسود نظام دولي ثنائي القطبية استمر حتى نهاية الاتحاد السوفيتي وبداية بلورة النظام الأحادي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة بقوتها غير المنافسة، إلى أن جاءت إدارة ترامب وما شهده ويشهده النظام الدولي من تحولات في القوة ومنافسة الصين وروسيا ومحاولتهما بناء نظام دولي جديد يقوم على التعددية القطبية.
البديل لذلك كان إنشاء المجلس الدولي، وهذا بفضل غزة التي كانت بمثابة المفتاح والمبرر لإنشاء هذا المجلس الذي يترأسه الرئيس ترامب، وبمشاركة 60 دولة قابلة للزيادة، بمساهمات مالية تفوق مساهمات أعضاء الأمم المتحدة. الغاية المعلنة لهذا المجلس وقف الحرب على غزة وإعادة إعمارها، وهذا الهدف كان يمكن تحقيقه من دون مقاربة هذا المجلس، أما الهدف الحقيقي له، وكما جاء في مقدمة المجلس، فهو إدارة وتسوية المنازعات الدولية. أما الأهداف غير المعلنة فتصفية القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها، وإعادة بناء الشرق الأوسط الجديد، ومن مظاهره تحقيق حلم إسرائيل الكبرى، واحتواء قوة إيران ونزعها من أسلحتها النووية والصاروخية، ومن الشرق الأوسط بناء النظام العالمي الجديد الذي يقوم على المنافسة بين القوى الكبرى مع الاحتفاظ بقوة أميركا الأحادية.
فالرئيس ترامب يريد نظامًا دوليًا يعكس هذه الأحادية بوحدانية القرار الأميركي، ولا تشاركه فيه خمس دول أعضاء دائمين في مجلس لهم نفس حق الفيتو والقادرين على إحباط وإسقاط أي مشروع أميركي في المجلس، وتشاركه أيضًا 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لها نفس قوة الصوت الأميركي. وهذا ما يفسر لنا انتقاد ترامب للأمم المتحدة، وانسحابه من منظمة الصحة العالمية و66 منظمة دولية أخرى. الرئيس ترامب لا يستطيع إسقاط الأمم المتحدة ولا الانسحاب منها، والبديل لذلك إنشاء مجلس السلام الدولي، والاسم يحمل دلالات الكونية والعالمية التي تحملها الأمم المتحدة.
وكانت غزة الفرصة الوحيدة التي من خلالها يمكن تحقيق ما يحلم به ترامب وأميركا من رئاسة كيان دولي شرعي بفضل قرار مجلس الأمن رقم 2803 بإنشاء هذا المجلس، ووظيفة هذا القرار منح الشرعية الدولية لهذا المجلس، وهو ما يريده ترامب فقط من مجلس الأمن. فالدافع الحقيقي ليس غزة، التي كان من السهل أن تقوم الأمم المتحدة بدورها فيها، بل الهدف الحقيقي وغير المعلن تحقيق هدف إسرائيل الكبرى كما أشرنا. والمفارقة هنا أن يدعو نتنياهو إلى عضوية المجلس ليمنح إسرائيل الشرعية ويمنحها المبرر لحربها.
فإسرائيل حققت ما تريد من الأمم المتحدة بقيامها والاعتراف بها دولة، واليوم تدخل مرحلة جديدة مع حرب غزة تجاوزت حدود غزة كما نرى في سوريا وإيران، والسعي للاعتراف بها دولة قوة أحادية. وهذا ما يفسر لنا مشاركتها في مجلس السلام بالرغم من أنها طرف مباشر في الحرب التي تسببت في قتل ما يقارب 100 ألف، وإعاقة ضعف العدد، وتدمير كل مقومات الحياة في غزة. فجاءت مقاربة مجلس السلام العالمي، ولم يُقل مجلس غزة للسلام.
وبقراءة ميثاق المجلس إعلان واضح بتجاوز النظام الدولي القائم، وكان الأفضل الحديث عن إصلاح المنظومة القائمة وخصوصًا مجلس الأمن الذي يشعر ترامب أن أميركا فيه مثلها مثل الأعضاء الدائمين الآخرين، وهذا يتعارض مع شعور التفوق الأميركي، ولا يتماشى مع الشخصية النرجسية لترامب نفسه، الذي يريد مجلسًا باسمه وبرئاسته، وربط هذه الرئاسة بشخصه لا بولايته كرئيس. فهو يريد كيانًا دوليًا يترأسه للأبد، وله كل السلطات المطلقة، واستنادًا إلى المادة 39 مُنح رئيس المجلس كل الصلاحيات والسلطات.
فالهدف وضع نواة تشكيل دولي تترأسه وتتحكم فيه أميركا وترامب شخصيًا. وكما جاء في صحيفة الواشنطن بوست، مجلس السلام يعكس نزعة ترامب للحكم، ويريد أن يفعل ما يحلو له أينما يريد، من دون أي قيود أو توازنات، ويرغب في جني الكثير من المال من خلال القيام بذلك. والمفارقة أن له سلطة مطلقة في التحكم في موازنة المجلس التي قد تبلغ مليارات الدولارات تحت ذريعة الحفاظ على السلام. ترامب يريد أن يقدم نفسه من خلال المجلس على أنه صانع السلام ورجل السلام، مخفيًا الأهداف الحقيقية من السيطرة والهيمنة، وتفريغ المنظمة الأم من كل مكوناتها وتحويلها إلى مجرد هيكل أو تجمع عالمي بروتوكولي.
وفي ديباجة ميثاق المجلس دعوة صريحة للتخلي عن المؤسسات الدولية، وبتحليل بناء المجلس فهو نقيض للنظام الدولي الذي قامت عليه الأمم المتحدة عام 1945. فهو كيان جديد على رأسه رئيس تنفيذي أبدي الحكم ومطلق السلطة، وليس كحال الأمين العام للأمم المتحدة الموظف الإداري الذي لا يملك سلطات تنفيذية ذات طابع سياسي. ومن مفارقات المجلس الربط بين العضوية الدائمة ودفع مبلغ مليار دولار، وهو ما يعني موازنة ضخمة يتحكم فيها ترامب كما يريد وكما يشاء. وهنا يؤسس لمبدأ جديد للشراكة الدولية يقوم على المال لا على الإرادة السياسية والعسكرية التي تقوم عليها الأمم المتحدة.
ومفتاح هذا المجلس هو غزة، التي من بوابتها يريد تحقيق هذا الهدف البعيد وغير القابل للتطبيق. ويبقى هذا المشروع في إطار حلم وطموحات رئيسه، وعلى مدى استعداد الدول الأعضاء أن تتحول إلى أدوات تابعة في يد ترامب، وهو مشروع غير قابل للحياة لأنه بعيد عن تحقيق السلام في غزة.


