السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: إلى أي مدى يمكن لفصيل مسلح أن يمارس "حق المقاومة" بينما تقع فاتورتها البشرية والمادية بالكامل على كاهل شعبه؟
يقدم مسار حركة حماس، وخاصة بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وعواقبها الكارثية، إجابة مأساوية على هذا التساؤل الجوهري. لقد تجاوزت تكاليف هذا المسار كل حد معقول، لتدفع القضية الفلسطينية برمتها إلى حافة الهاوية. ويظهر من مختلف التحليلات أن المشروع الذي قادته الحركة قد تحول، عبر سلسلة من الخيارات التكتيكية والتحالفات الملتبسة، من أداة مفترضة للمواجهة إلى عامل رئيسي في تعميق المأزق الوطني واستنزاف مستقبل الشعب الفلسطيني.
ومن وجهة نظري يمكن رؤية ذلك من خلال ثلاثة محاور.
المحور الأول: فاتورة الدمار: تكاليف القرار التكتيكي
لا يمكن فهم حجم المأزق دون تقييم صادم للفجوة بين خطاب "الصمود" وثمنه الواقعي. القرارات التي اتخذتها حماس، وبلغت ذروتها في عملية 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أسفرت عن كلفة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني الحديث: عشرات الآلاف من القتلى، قرابة المائتي ألف جريح، وتدمير شامل للبنى التحتية في قطاع غزة يُقدَّر بأكثر من 80 بالمئة. هذه الأرقام ليست "خسائر جانبية" ظرفية، بل هي نتيجة مباشرة لمعادلة عسكرية وسياسية غير متكافئة دخلت فيها الحركة بوعي كامل.
وتستمر هذه الأولوية التكتيكية على حساب المعاناة الإنسانية حتى في أدق التفاصيل. ويتضح ذلك من خلال موضوع جثة الرهينة الأخير التي استغرقت ما يقارب الشهرين من 3 كانون الأول (ديسمبر) 2025، حيث تم تسليم الجثة ما قبل الأخيرة، إلى 26 كانون الثاني (يناير) 2026، حين أعلنت إسرائيل أنها استعادت جثة آخر رهينة. وقد كشفت مماطلة الحركة غير المبررة في تسليم الإحداثيات عن نمط متعمد من إطالة أمد الأزمات. لقد نجح هذا التكتيك في تأخير عملية إنسانية لأكثر من شهرين، وسط ظروف شتوية قاسية، مما ضاعف عذاب المدنيين. إن هذا التزامن الزمني بين مصلحة حماس في البقاء على رأس الأجندة السياسية، ومصلحة الطرف الإسرائيلي في تجميد أي تقدم نحو حل، يغذي تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة التبادلية التي يتحول الشعب فيها إلى رهينة في حسابات القوة لأطراف متعددة.
المحور الثاني: الجذور التاريخية: بين الصراع الداخلي والاستغلال الإقليمي
لا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن سياقه التاريخي المعقد، الذي تشابك فيه الصراع على الشرعية الداخلية مع الأجندات الإقليمية. لقد نشأت حماس أساساً كذراع لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، في منافسة مباشرة مع حركة فتح والمشروع الوطني الذي تمثله. منذ الثمانينيات، ساهم هذا المنشأ في تغليب الهوية الإيديولوجية الدينية على البرنامج الوطني الجامع، وعمل على تقويض أي إجماع فلسطيني.
ولاحقاً، وفي مفارقة تاريخية مأساوية، تطابقت مصالح حماس التكتيكية في مراحل حاسمة مع مصالح اليمين الإسرائيلي المتطرف الرافض لجوهر اتفاقيات أوسلو، بحيث ساهم العنف المتبادل من تفجيرات التسعينيات إلى عمليات الاغتيال والحصار في إفشال عملية السلام الناشئة وإضعاف سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. لم يكن هذا بالضرورة "تعاوناً" مزمَعاً، بل كان تفاعلاً نفعياً مريحاً لأطراف أرادت جميعاً، لأسباب مختلفة، تقويض احتمالية قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967. لقد تحولت حماس، بشكل تدريجي، من منافس داخلي إلى عامل رئيسي في المعادلة الأمنية الإسرائيلية، حيث تم توظيف صراعها الدوري مع إسرائيل من قبل الطرفين لخدمة أهداف داخلية وسياسية، وأيضاً لخدمة أطراف إقليمية تسعى لمصالحها الخاصة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني.
المحور الثالث: اقتصاد المعاناة: آلية تحويل الألم إلى عملة سياسية
أفضت هذه المعادلة المعقدة إلى نشوء ما يمكن تسميته "اقتصاد المعاناة". في هذا الاقتصاد المقلوب، يُحوَّل الثمن البشري والبنيوي الفادح الذي يدفعه الشعب الفلسطيني، لا سيما في غزة، إلى عملة تداول سياسية في الأسواق الإقليمية والدولية. ويتجلى ذلك في خطاب مزدوج: خطاب تصعيدي داخلي يبني شرعية الحركة على أساس "الثبات" في وجه الدمار، وخطاب تفاوضي خارجي يحوّل "ورقة الصمود" هذه و"معاناة الشعب" إلى رصيد للضغط وجمع التمويل والدعم السياسي.
يشكل هذا التناقض جوهر الأزمة الأخلاقية والسياسية لحماس. فاستمراريتها ككيان سياسي عسكري فاعل أصبحت عملياً مرهونة باستمرار حالة الصراع وإدارة أزماته الدورية، وليس بحلها. هذا ما يفسر النمط المتكرر من الحروب المحسوبة، حيث تندلع المواجهات ثم تتوقف عند حدود معينة، غالباً ما تُترجم إلى مكاسب تكتيكية للحركة، كرفع الحصار جزئياً أو دخول أموال، بينما يدفع الشعب الثمن الاستراتيجي الباهظ. إن اختزال القضية الوطنية في هذه الدورة من التصعيد والتهدئة المحكومة هو خيانة للهدف الاستراتيجي الذي يفترض أن تكون "المقاومة" خادمة له.
وفي الختام أقول إن الآن هي لحظة المساءلة واستعادة المشروع الوطني. يقودنا هذا التحليل المتسلسل إلى نتيجة حتمية: الإعلان عن إفلاس النموذج الذي مثلته حماس. فبعد نحو أربعة عقود، لم تفشل الحركة فقط في تحرير شبر من الأرض، بل ساهمت بشكل جوهري، بقصد أو دون قصد، في تعميق الاحتلال وإلحاق ضرر وجودي بمقومات الشعب الفلسطيني في غزة، وإضعاف القضية في المحافل الدولية. لقد استنفذت شرعية "المقاومة" عندما أصبحت مجرد آلية لبقاء الفصيل على حساب بقاء الشعب وكرامته.
لذا، فإن المرحلة القادمة هي مرحلة المساءلة التاريخية الصارمة واستعادة المشروع الوطني من براثن الحسابات الحزبية والإقليمية الضيقة. ويجب أن تبدأ هذه المساءلة من الداخل الفلسطيني أولاً، عبر إعادة تقييم جذرية لمعنى "المقاومة" ومقاصدها الحقيقية، وفك الارتباط الكامل بين المصير الوطني الجماعي ومصير فصيل بعينه.
إنَّ القرار الأخلاقي والسياسي الوحيد الذي قد يمكن لحماس من خلاله استعادة جزء من شرعيتها الأخلاقية المفقودة، هو التخلي الطوعي عن احتكار السلاح، وتسليمه لسلطة وطنية موحدة، والقبول الكامل بالدخول تحت مظلة مشروع سياسي جامع تمثل فيه الإرادة الشعبية الحرة مصدر الشرعية الوحيد. هذه ليست مسألة تفاوض، بل هي مسألة بقاء. إنها لحظة الحقيقة الفلسطينية: فإما أن تكون جميع القوى جزءاً من حل واحد يستعيد وحدة الشعب وكرامته ومستقبله، أو تتحول إلى عقبة في طريقه، سيتجاوزها التاريخ ويتجاوزها الشعب حتماً، كما تجاوز من قبل سرديات فاشلة عديدة ظنت أنها تحتكر الوطن والقيادة.


