: آخر تحديث
طريقي

14 شباط... رسالة إلى طوفان التقوّقع

2
4
3

لم يسبق لي أن تناولتُ في مقالاتي شخصيةً سياسيةً لأسبابٍ عدّة، لكن في وضع رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، فإن الحديث يكون عن حالةٍ سياسيةٍ لبنانيةٍ عربيةٍ تمثّل الاعتدال بكل ما للاعتدال من كلفةٍ في زمن الطوفانات الفكرية الضيّقة.

أكاد أجزم بأن أحدًا من سياسيّي لبنان لم ينل مجد الإرث السياسي كما ناله سعد رفيق الحريري. وأجزم أيضًا بأن أحدًا من سياسيّي لبنان لم يحمل عبء إكمال المسيرة كما حملها سعد الحريري، إذا أُخذت بالاعتبار الظروف الداخلية والإقليمية.

لا أعرف الرجل عن قرب، واقتصرت لقاءاتي به على هامش زياراته إلى الكويت حين كنتُ أتولّى مهام إدارة الأخبار المحلية في جريدة القبس.

مشكلة سعد الحريري، في تقديري، تكمن في كلمةٍ واحدةٍ هي "الثقة". قدّم مشروعه السياسي على قاعدة الثقة.

ثبت على موقفه بالرغم من إدراكه بأن أركان المنظومة الحاكمة قائمة على رمالٍ ليست متحرّكةً فحسب، إنما متلوّنةً أيضًا. لكنه أبى أن يكون إلا سعد رفيق الحريري.

نظريًا، لبنان اليوم أمام استحقاقٍ انتخابيٍّ استثنائيّ الأهمية.

وعمليًا، المنطقة بما فيها لبنان تعبر منعطفًا تاريخيًا. طوفانات التقوّقع بكل ألوانها الطائفية والعنصرية والطبقية تجرف كيانات التلاقي الثقافي والفكري، وتهدّد في العمق بيئة الاعتدال. ما يجري في سوريا مثالٌ حيٌّ، وإن حاول البعض تجميل المشهد باتفاقٍ هنا أو بهرجةٍ إعلاميةٍ هناك.

بعيدًا عن حبكة الكلمات والعبارات الإنشائية، لبنان اليوم بحاجةٍ إلى مدرسة الاعتدال التي كرّستها الحريرية السياسية. عودة الرئيس سعد الحريري ليست ترفًا سياسيًا، إنما حاجةٌ وطنيةٌ بامتياز.

في التاسع عشر من يوليو عام 2021، اتخذ الرئيس سعد الحريري القرار الصعب، وتجرّع كأس الاستقالة، ودفع، ولا يزال، فاتورة تصدّع هيكل المنظومة ومكوّناتها، التي تراقب بعين القلق قراره بشأن العودة إلى الميدان السياسي.

ليس خافيًا أن وريث الحريرية السياسية تعرّض لحملةٍ عنيفةٍ من "شركاء الماضي" السياسي، وفي نظر هؤلاء فإن خروج الحريري من المشهد كان يترتّب عليه إعادة تدوير زوايا الهيكل، وهو ليس بالأمر السهل في ضوء متغيّرات الداخل والتطوّرات الإقليمية المتسارعة. يدرك الرئيس الحريري دقّة الموقف الإقليمي وحساسيته بشأن عودته إلى المعترك السياسي، لكنه متيقّن من أن حلفاء الأمس مطوّقون بخطوطٍ حمراء لجهة مجرّد التفكير في نسج تحالفاتٍ انتخابيةٍ مع جهاتٍ وُضعت في صندوق "دعم الإرهاب".

في الرابع عشر من فبراير الجاري، محبّو الحريري وأنصاره في انتظاره لإحياء ذكرى استشهاد رفيق الحريري، ومجاميع الاعتدال اللبناني في مختلف المناطق بانتظاره.

أيُّ خطابٍ سيلقيه سعد الحريري في 14 شباط (فبراير)؟ وأيُّ رسالةٍ سيبعثها إلى طوفانات التقوّقع؟

الخصوم كُثُر، القلقون كُثُر، وللاعتدال تيارٌ وطنيٌّ يسري في عروق لبنان.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.