في كلّ مرّةٍ أعود فيها إلى المنتدى السعودي للإعلام، أشعر أنّني لا أدخل فعّالية، بل أدخل إلى فكرة، نعم فكرة أكبر من الشاشات، وأعمق من التصريحات، وأصدق من الضجيج الذي اعتدناه في عالمٍ صار فيه الكلام أسرع من المعنى. هنا، في الرياض، لا يُحتفى بالإعلام بوصفه مهنة فقط، بل بوصفه مسؤولية أخلاقية، ومرآة حضارية، ومشروعًا إنسانيًا يرفض التطرّف كما يرفض الابتذال.
المنتدى السعودي للإعلام ليس تجمّعًا للمؤسّسات، بل تجمّعٌ للقيم، وأوّل قيمة يرسّخها، بلا خطابة زائدة، هي التسامح. التسامح هنا ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس. ترى الاختلاف في القاعة وكأنّه تنوّع طبيعي، لا تهديد، ترى المدارس الفكرية تتجاور دون أن تتناحر، وترى الأصوات المتعدّدة تتحدّث دون أن تتقاتل على الميكروفون، كأنّ الرياض تقول للعالم: الوسطية ليست موقفًا رماديًا، بل موقفٌ شجاع.
وهذا ما يجعل المنتدى مختلفًا، إنّه يضع الإعلام في مكانه الصحيح، لا كآلة تعبئة، ولا كمنصّة صراخ، بل كأداة تهذيب للوعي. في زمنٍ صار فيه التطرّف الرقمي أسهل من الحقيقة، يأتي المنتدى ليعيد ضبط البوصلة: أن تكون مؤثّرًا لا يعني أن تكون قاسيًا، وأن تكون حاضرًا لا يعني أن تكون متوحّشًا، وأن تصل إلى الناس لا يعني أن تحرقهم في الطريق.
أسلوب الظل لا يرى الأشياء كما تبدو فقط، بل كما تُخفي نفسها. ومن زاوية الظل، يبدو المنتدى السعودي للإعلام كأنّه محاولة كبرى لإنقاذ الإنسان من إعلامٍ بلا روح، إعلامٍ صار يطارد الإثارة كما يطارد الجائع رغيفه، وينسى أنّ الجوع الحقيقي هو جوع المعنى. هنا، يعود المعنى إلى الطاولة، ويعود السؤال: ماذا نريد من الإعلام؟ أن يربح؟ أن يثير؟ أم أن يبني؟
ثم يأتي البعد التقني كالعاصفة الهادئة. الذكاء الاصطناعي ليس ضيفًا في المنتدى، بل أصبح أحد أركانه. ليس لأنّ التقنية موضة، بل لأنّ المستقبل لا ينتظر أحدًا. والمنتدى لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة إنتاج فقط، بل كاختبار أخلاقي. كيف نستخدم الخوارزميات دون أن تتحوّل إلى سلاسل؟ كيف نُدخل الأتمتة دون أن نُخرج الإنسان؟ كيف نُسرّع الخبر دون أن نُسرّع الكذب؟
المنتدى السعودي للإعلام يطرح الأسئلة الصعبة التي تهرب منها المنصّات. يناقش التزييف العميق، وتحولات صناعة المحتوى، وحروب البيانات، وذكاء الأنظمة التي تعرفنا أكثر ممّا نعرف أنفسنا. لكنه، في الوقت ذاته، يربط كلّ ذلك بروح الوسطية: التقنية بلا قيم تصبح وحشًا، والذكاء بلا ضمير يصبح سلاحًا أعمى.
وهنا تكمن عبقرية الرياض، أنّها لا تفتح باب المستقبل فقط، بل تضع عليه حارسًا أخلاقيًا. المنتدى لا يركض خلف الذكاء الاصطناعي كمن يركض خلف ذهبٍ سريع، بل يمشي معه كمن يمشي مع قوّة يجب أن تُفهم قبل أن تُستعمل. في كلّ جلسة، في كلّ نقاش، هناك سؤال خفي: هل الإعلام القادم سيكون أكثر إنسانية، أم أكثر برودة؟
والمنتدى يجيب بطريقته: سيكون إنسانيًا إذا بقيت القيم في المركز. التسامح والوسطية هنا ليستا مجرّد سياق ديني أو اجتماعي، بل سياق إعلامي عالمي. لأنّ العالم اليوم لا ينقصه المحتوى، بل ينقصه الاتّزان. لا ينقصه الصوت، بل ينقصه العقل. المنتدى السعودي للإعلام، في جوهره، ليس احتفالًا بالمهنة، بل محاولة لصناعة إعلامٍ لا يكره أحدًا، ولا يحرّض، ولا يتاجر بالانقسام.
في الرياض، يصبح الإعلام مساحة لقاء لا مساحة حرب. يصبح الحوار بديلًا عن الشتيمة. تصبح المهنية أعلى من الفوضى. وهذا وحده إنجاز حضاري.
أنا لا أكتب عن المنتدى كمتفرّج، بل كمن يشعر أنّ هذا الحدث يشبه لحظة نادرة في التاريخ العربي، لحظة تقول فيها دولةٌ عظمى إنّ الإعلام ليس مجرّد أداة، بل رسالة. وإنّ التقنية ليست مجرّد قوّة، بل مسؤولية. وإنّ الوسطية ليست ضعفًا، بل أرقى أشكال القوّة.
المنتدى السعودي للإعلام، بهذا المعنى، ليس الأكبر لأنّه جمع الناس، بل لأنّه جمع الاتّجاه. جمع الأخلاق مع المستقبل، والهوية مع التقنية، والتسامح مع الذكاء الاصطناعي، والرياض مع العالم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الغريب العجيب الذي يتركه المنتدى في داخلك: هل نحن الذين نستخدم الإعلام، أم أنّ الإعلام هو الذي يعيد تشكيلنا؟
في الرياض، يبدو الجواب واضحًا: نحن نعيد تشكيله، قبل أن يعيد تشكيلنا.

