: آخر تحديث

تريليون استفهام؟!

3
3
3

لسنا في طوفان الأسئلة لأن المعرفة خانتنا، بل لأن اليقين غادر المشهد دون وداع، فترك العقل في مواجهة فراغٍ لا يُملأ إلا بعلامات استفهام تتكاثر كلما حاولنا الإمساك بخيطٍ ثابت في هذا العالم المتحوّل. فليست الأسئلة هنا فعل جهل، بل أثر انسحاب المعنى من مركزه القديم.

فتريليون استفهام ليست صيغةً للمبالغة البلاغية، بل توصيف دقيق لحالة وعيٍ فقد مرجعيته، عقلٌ كان يسأل ليبلغ، فأصبح يسأل لأنه لم يعد يعرف ما الذي ينبغي بلوغه أصلًا، ولا أي اتجاه يستحق أن يُمنح الثقة دون أن يتبدّل بعد حين.

وفي الأزمنة التي كان فيها الفكر مستقرًا، كان السؤال طريقًا إلى البناء، أمّا اليوم فقد صار السؤال فضاءً مفتوحًا بلا أسوار، نتحرّك فيه بلا يقين، نطرح الاستفهام تلو الآخر لا بحثًا عن جواب نهائي، بل طلبًا لهدنة مؤقتة مع قلقٍ لا ينتهي.

فتكاثرت الأسئلة، لكن العمق لم يتكاثر معها. بل على العكس، كلما ازدادت الاستفهامات تقلّصت المسافة بين الفكر والسطح، وأصبح السؤال يُطلق كما تُطلق الإشارات العابرة، صوته حاضر وأثره مؤجّل، ثم لا يلبث أن يذوب في زحام سؤالٍ أحدث.

ونسأل عن الحقيقة في زمنٍ لم يعد يؤمن بذاتها، ونسأل عن المعنى في عالمٍ يقيس الأشياء بما تُنتجه لا بما تكونه، ونسأل عن الإنسان وقد غدا هو نفسه سؤالًا بلا تعريفٍ مستقر، وبلا يقينٍ يُستقرّ عنده طويلًا.

فتريليون استفهام تدور حول الجوهر، لكنها لا تلامسه، لأن الاقتراب صار فعلًا مكلّفًا، والاقتراب يفرض التزامًا، والالتزام في هذا العصر عبء ثقيل. لذلك نكتفي بالدوران حول المعنى، نُحيطه بالأسئلة، ولا نجرؤ على الدخول إليه.

والفلسفة، في جوهرها، لم تكن يومًا إكثارًا من التساؤل، بل قدرة على البقاء مع سؤالٍ واحد حتى نهايته، حتى لو قاد إلى قلقٍ طويل، أو أسقط صورةً قديمة عن الذات. أمّا اليوم فنحن نفضّل الأسئلة التي لا تُطالبنا بتغيير الموقع، ولا تُجبرنا على دفع ثمن الفهم.

والأخطر من غياب الجواب، هو الاعتياد على غيابه. بأن يصبح الفراغ حالة مألوفة، وأن يتحوّل التردّد إلى نمط تفكير، وأن يُقاس الوعي بعدد الاستفهامات لا بقدرتنا على تحمّل تبعاتها. وهكذا، يبدو الفكر نشطًا، بينما هو في الحقيقة يدور في مداره المغلق.

وكثير من الأسئلة لا تريد أن تُجاب، لأن الإجابة ستكشف هشاشة بعض القناعات، وستُسقط أقنعة اعتدنا العيش خلفها. فبعض الشك ليس بحثًا عن الحقيقة، بل مهلة إضافية للهروب من لحظة الحسم.

فنغرق في تريليون استفهام لأن القرار ثقيل، ولأن الحسم يقطع الطريق على الاحتمالات، ولأن الإنسان بطبعه يحب أن يترك الأبواب مواربة، حتى لا يُضطر إلى الاعتراف بأن عليه أن يختار، وأن الاختيار مسؤولية بقدر ما هو خلاص.

وفي عالمٍ يزدحم بالأسئلة حتى التخمة، قد يكون أعمق أشكال الوعي ليس في إضافة سؤالٍ جديد، بل في امتلاك الشجاعة للبقاء مع سؤالٍ واحد، سؤالٍ لا نستخدمه للزينة الفكرية، بل نسمح له بأن يقترب، وأن يُربك، وأن يُعيد ترتيب الأعماق مهما كانت الكلفة.

فهنا فقط، يصبح السؤال معرفة، وتتحوّل الحيرة من عبءٍ ثقيل إلى بوابةٍ للمعنى.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.