من يتابع تطورات المشهد الإيراني في الأسابيع الأخيرة، يُدرك أن ما يجري يتجاوز حدود التصعيد الظرفي، ليكشف عن مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لكيفية استخدام القوة وإدارة المخاطر. وفي تقديري، لم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد حلقة جديدة في سلسلة التوترات التقليدية بين خصمين تاريخيين، بل تحوّلت إلى مواجهة بين منطقين متصادمين في إدارة الصراع ذاته: منطق نظامٍ يعيش سياسيًا على حافة الانفجار، ومنطق قوةٍ عظمى تُفكّر في كسر هذه الحافة من جذورها، قبل أن تتحوّل إلى واقع شامل لا يمكن احتواؤه.
إيران، من وجهة نظري كمراقب لمسار سلوكها الإقليمي خلال العقدين الأخيرين، لا تفاوض من موقع الاستقرار، بل من موقع الحافة؛ فهي تبني سياستها الخارجية والعسكرية على قاعدة واحدة، وهي الاقتراب الدائم من الكارثة بوصفه أداة ضغط. إيران لا ترى في الفوضى خطرًا يجب تفاديه، بل ورقة يمكن توظيفها حين تضيق الخيارات؛ ولهذا تعتمد على أدوات غير متناظرة ذات طابع انتحاري، مثل استخدام شبكات ميليشياوية إرهابية عابرة للحدود، وتهديد الملاحة والطاقة، واستهداف الخصوم في مساحات رخوة يصعب تحصينها أو الدفاع عنها تقليديًا.
غير أن التحوّل الأخطر، في تقديري، لم يكن في ارتفاع منسوب الخطاب أو وتيرة المناورات العسكرية، بل في نوعية الأهداف التي قرّرت طهران إدخالها إلى مسرح التهديد. فحين تُسرّب قنوات مرتبطة بالحرس الثوري معلومات عن تحديد فندق في الدوحة انتقل إليه ضباط من القيادة المركزية الأمريكية، بزعم أنه أصبح غرفة عمليات، فإننا لا نكون أمام رسالة ردع تقليدية، بل أمام اختبارٍ متعمّد لحدود واشنطن وحدود الإقليم معًا.
بلا شك، الرسالة هنا مزدوجة: الأولى، أن إيران تراقب تحرّكات القيادة العسكرية الأمريكية حتى خارج القواعد النظامية، والثانية، وهي الأخطر، أنها مستعدّة لكسر أحد أكثر المحرّمات استقرارًا في الصراعات الحديثة، أي طمس الخط الفاصل بين الهدف العسكري والمكان المدني. لذلك، لم يُصَغ التهديد بلغة مواربة أو رمزية، بل بجملة مباشرة تقول إن تغيير الموقع "لن يوفّر لهم أي حماية من ردٍّ حاسمٍ وقوي... في حال أي عدوان على الأراضي الإيرانية".
بهذا المعنى، لا تهدّد طهران موقعًا بعينه، بل تُعلن انتقالها من منطق الضغط المحدود على الخصم إلى منطق نشر الرعب الجغرافي؛ أي تحويل كل نقطة وجود أمريكية محتملة في الخليج إلى هدف مشروع، وكل دولة حليفة إلى ساحة اشتباكٍ مؤجلة. وهذه، في رأيي، ليست سياسة ردع، بل سياسة توسيعٍ متعمّد لدائرة الفوضى.
في المقابل، لم يعد الخطاب الأمريكي محصورًا في التحذير العسكري أو التلويح بالقوة، فتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخامنئي: "القيادة لا تكون بالخوف والموت... حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران"، لا يمكن قراءته، في تقديري، بوصفه جملة انفعالية عابرة، بل توصيفًا سياسيًا مباشرًا لطبيعة المشكلة كما تراها واشنطن اليوم: إنها مشكلة نظام، لا مجرّد سلوك عدائي مؤقّت يمكن احتواؤه أو التعايش معه.
من هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الحسابات؛ فالولايات المتحدة لم تعد تسأل فقط كيف تردّ على إيران، بل كيف تُوقف نظامًا بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية ونفوذه الإقليمي على سياسة دفع الأزمات إلى حافة الانتحار. الردع التقليدي، كما هو معروف في أدبيات الاستراتيجية، يفترض خصمًا عقلانيًا يخشى الكلفة؛ أما حين يتحوّل التهديد إلى جزء من هوية النظام السياسية، يصبح الاحتواء مغامرة طويلة الأجل، ويغدو التفكير في التعطيل البنيوي خيارًا مطروحًا بقوة داخل دوائر القرار.
لهذا، أعتقد أن أي قرار عسكري محتمل، إن اتُّخذ، لن يكون ضربة تأديبية ولا استعراض قوةٍ محدودًا، بل عملية مصمَّمة لكسر العمود الفقري لمنظومة التهديد الإيرانية. هنا تستحضر واشنطن خبرتها في استهداف مراكز الثقل لدى الخصوم، كما فعلت حين اغتالت قاسم سليماني باعتباره عقلًا عملياتيًا لشبكات النفوذ الإقليمي، لا مجرّد قائد ميداني.
وبعبارة أكثر مباشرة: أميركا تُفضّل قتل الدماغ لا حرق الجسد؛ أي تفكيك مركز القرار بدل تدمير المدن، وشلّ منظومة الإطلاق بدل توسيع ساحات القتال، وتحويل النظام إلى جسد ثقيل بلا أعصاب ولا قدرة على المبادرة. الغاية هنا، في تقديري، ليست تحقيق نصر إعلامي سريع، بل تقليص القدرة على الردّ إلى مستوى يمكن احتماله، وإفقاد التهديد الإيراني فعاليته كرأسمال سياسي وأمني. وهنا تظهر المفارقة القاتلة.
سياسة الحافة الإيرانية، المصمَّمة نظريًا لردع الخصوم، تتحوّل عمليًا إلى المبرّر الأكثر إقناعًا لضربة وجودية عليها؛ فالنظام الذي يُصرّ على إقناع العالم بأنه مستعدّ للانتحار السياسي والعسكري، يدفع خصمه إلى التخلّي عن منطق الاحتواء، واعتماد منطق الاستئصال الوقائي. قد يُقال إن كلفة مثل هذه الجراحة الكبرى على استقرار الإقليم وأسواق الطاقة ستبقى عائقًا أمام قرار كهذا، لكن استمرار العيش مع نظامٍ يتغذّى على إدارة الأزمات عند حافة الهاوية، يحمل بدوره كلفة تراها واشنطن متراكمة وغير قابلة للتحمّل على المدى الطويل.

