ناهيكَ عن البيانِ الذي صدرَ باسمِ وزارةِ الداخليةِ السوريةِ حيالَ الأنباءِ المتداولةِ بشأنِ استهدافِ رئيسِ البلادِ، سبقَ وأن كانتْ لنا مآخذُ على بعضِ الصحفيينَ والكتّابِ الذينَ لا يمتلكونَ أيَّةَ معلوماتٍ مفيدةً عن حدثٍ معيّنٍ، ولكنّهم مع ذلك لا يكفّونَ عن سردِ تشطيحاتِهم التحليليةِ حيالَ الواقعةِ، حيثُ إنّهم بدلاً من توضيحِ الملتبسِ وكشفِ الغوامضِ يعملونَ على تشويشِ المتلقّي، لذا نحيدُ عن مسارِهم في تناولِ المجرياتِ طالما لا معلوماتَ لدينا عن سببِ غيابِ الرئيسِ عن الإعلامِ منذَ بدايةِ السنةِ الجديدةِ، وعمّا إذا كانَ غيابُهُ اختيارياً أم اضطرارياً.
وسواءٌ صحّتْ أم لم تصحْ فرضيةُ تعرّضِ الرئيسِ لمحاولةِ اغتيالٍ ما ونجاتِهِ منها واستعادتِهِ كاملَ عافيتِهِ، فحيالَ الرئيسِ الحاليِّ والكثيرِ من الملتفّينَ حولَهُ لا نعتقدُ بأنَّ نابليونَ بونابرتَ كانَ يُجافي الحقيقةَ عندما انتقدَ الملتفّينَ حولَهُ بناءً على رؤيتِهِ لهم كأناسٍ جلَّ ما يقولونَهُ هو بخلافِ أفعالِهم على أرضِ الواقعِ، حيثُ قالَ نابليونُ وقتذاكَ جملتَهُ الشهيرةَ: «أنا محاطٌ بمجموعةِ كهنةٍ، يردّدونَ باستمرارٍ أنَّ الدنيا ليستْ دارَهم؛ ومع ذلك يضعونَ أيديَهم على كلِّ شيءٍ يستطيعونَ الوصولَ إليه». ونحنُ، عبرَ متابعتِنا لطبيعةِ وهيئاتِ وسحناتِ الذينَ يحاولونَ بشتى السبلِ إثباتَ ولائِهم المطلقَ لرئيسِ المرحلةِ الانتقاليةِ في سوريا أحمدَ الشرعِ منذَ وصولِهِ إلى قصرِ الشعبِ، نلاحظُ بأنَّ أكثرَهم ضراوةً في الدفاعِ المستميتِ عنهُ أو عن سلطتِهِ أناسٌ جُبلوا بماءِ المزايدةِ، وهو ما يعني بأنّهم إمّا أصحابُ سيرةٍ تفتقرُ النصاعةَ، أو أنّهم يأملونَ من وراءِ التقرّبِ الزائدِ الصفحَ عن ماضيهم، أو كانوا ممّن يبحثونَ عن الامتيازاتِ، أي إنَّ تطبيلَهم المبالغَ فيه هو بدافعِ المصلحةِ الشخصيةِ الصرفةِ، بعيداً عن أيِّ اهتمامٍ بمصالحِ الغيرِ أو الصالحِ العامِّ.
إذ إنَّ حشدَ الفزعاتِ الجاهزَ للزحفِ كالحشراتِ الضارّةِ في أيِّ اتجاهٍ كان، هو لا يحبُّ أحمدَ الشرعِ، إنّما يودُّ أن يمارسَ غطرستَهُ باسمِ أحمدَ الشرعِ وسلطتِهِ. ومَن يُمعنْ في تشويهِ صورةِ الآخرينَ والحطِّ من شأنِهم والنيلِ من كرامتِهم هو لا يحبُّ أحمدَ الشرعِ، إنّما يعبّرُ عن وضاعةِ بنيتِهِ السلوكيةِ ويعملُ على تفريغِ تلكَ الوضاعةِ على أرضِ الواقعِ باسمِ الدفاعِ عن السلطةِ. فالذينَ ارتكبوا المجازرَ في الساحلِ السوريِّ بحقِّ العلويينَ، وفي محافظةِ السويداءِ بحقِّ الدروزِ، هم ليسوا من محبّي أحمدَ الشرعِ، إنّما من عشّاقِ الإجرامِ، وما التصاقُهم بحذاءِ أحمدَ الشرعِ إلاَّ لكي ينهشوا بأجسادِ الأبرياءِ والمخالفينَ في أيِّ بقعةٍ كانت بدعوى حمايةِ أحمدَ الشرعِ.
وعدا عن التصعيدِ الدمويِّ في حلبَ اليومَ، والذي أودى باستشهادِ امرأةٍ وإصابةِ 17 مواطناً بجروحٍ متفاوتةٍ، جراءَ قصفٍ نفّذتْهُ فصائلُ منفلتةٌ على أحياءِ بني زيدٍ والأشرفيةِ والشيخِ مقصودٍ عصرَ اليومِ 6/1/2026، وفقَ المرصدِ السوريِّ لحقوقِ الإنسانِ، فإنَّ الذينَ عقبَ الهجومِ في 22 كانونَ الأوّلِ 2025 على حيّي الشيخِ مقصودٍ والأشرفيةِ بمدينةِ حلبَ أبدَوا استعدادَهم لغزوِها بدعوى مناصرةِ السلطةِ، وكانوا جاهزينَ للانقضاضِ على سكانِ الحيّينِ باسمِ الدفاعِ عن سلطةِ أحمدَ الشرعِ في حالِ جاءَ إيعازُ الاجتياحِ من السلطةِ، فهم ليسوا من محبّي أحمدَ الشرعِ، إنّما شغفُ الغزوِ يحرقُ أفئدتَهم المعبّرةَ عن كنهِ تربيتِهم الثقافيةِ والاجتماعيةِ. كذلكَ الأمرُ، فالذينَ أحرقوا شجرةَ الميلادِ في مدينةِ دمشقَ وهم يردّدونَ معاً «اللهُ أكبرُ» ليسوا من محبّي أحمدَ الشرعِ، إنّما يعبّرونَ عن حقدِهم الدفينِ لأتباعِ أيِّ دينٍ أو مذهبٍ أو فكرٍ لا يتوافقُ مع تركيبتِهم.
وبما أنّهُ لا يحقُّ لنا تقديمُ النصحِ للرئيسِ بينما هو مطوّقٌ بعشراتِ الكهنةِ، فإنّنا تجاوزاً نطرحُ فكرتَنا هنا، وهي أن يلتفتَ الرئيسُ بعضَ الوقتِ إلى صوتِ المختلفينَ، ويطيبُ لنا تذكيرُهُ بما أوردهُ الكاتبُ راندي بوتش في محاضرتِهِ الأخيرةِ: «عندما ترى نفسَك ترتكبُ خطأً في مكانٍ لا يلومُك فيه أحدٌ، فاعلمْ أنّك لستَ في المكانِ الصحيحِ». لذا نرى أنّهُ من المستحسنِ التفاتُ الرئيسِ بعضَ الوقتِ إلى خطابِ المنتقدينَ والابتعادُ عن جوقاتِ التطبيلِ، وأن يُمعنَ النظرَ قليلاً في حاملي سيفِهِ، وأن يراقبَ سلوكَ المصفّقينَ لهُ ليلاً نهاراً، وأن يطلبَ من مساعديهِ الصادقينَ، إن وجدوا، ملفاتٍ مختصرةً عن بنيةِ جمهورِهِ وماضي بطانتِهِ، لأنّهُ إن دامَ عمرُ هذا الحشدِ الذي يُمجّدهُ في الطلوعِ والنزولِ، وإن بقيَ محاطاً بالمزاودينَ، فأمامَهُ خيارانِ: فإمّا أن يُقلّدَ الطغاةَ الذينَ سبقوهُ في الحكمِ كصدامَ حسينٍ والأسدِ إذا ما أرادَ تثبيتَ ركائزِ حكمِهِ بالقوّةِ والإكراهِ للبقاءِ في قصرِ الشعبِ لوقتٍ غيرِ محدّدٍ، وإمّا أن يُغربلَ بطانتَهُ الملتصقةَ بهِ طالما أنّهُ غيرُ قادرٍ على غربلةِ حشدِهِ الأعظمِ، هذا إذا ما أرادَ بحقٍّ أخذَ السوريينَ إلى غدٍ أفضلَ من ماضيهم، ونقلَهم إلى مستقبلٍ أرقى من هذا الواقعِ النتنِ، لأنّ دوامَ الانطرابِ لإطراءاتِ هذه البطانةِ والاستمتاعَ بتمجيداتِ هذا الحشدِ الهائجِ فليسَ من المستغربِ أن تعملَ هذه الجوقاتُ، قبلَ الأعداءِ المفترضينَ للرئيسِ، على الإطاحةِ بهِ معنوياً أو جسدياً.


