: آخر تحديث

دور المجتمع المدني في التنمية المحلية

9
9
8

يُشَكِّلُ المجتمعُ المدنيُّ أحدَ الأعمدةِ الأساسيةِ في مسارِ التنميةِ المحليةِ، إذْ لم تَعُدْ عمليةُ التنميةِ شَأْنًا حكوميًّا صِرْفًا، بل أصبحتْ جُهْدًا تشاركيًّا تتقاطعُ فيه أدوارُ الدولةِ والقطاعِ الخاصِّ والمواطنينَ من خلالِ تنظيماتِهم المختلفةِ. فالمجتمعُ المدنيُّ، بما يضمُّهُ من جمعياتٍ أهليةٍ ومنظماتٍ غيرِ حكوميةٍ وروابطَ مهنيةٍ وشبابيةٍ ونسويةٍ، يُمَثِّلُ فَضَاءً حيويًّا للتعبيرِ عن حاجاتِ السكانِ وتطلُّعاتِهم، ويُسهمُ في تحويلِ هذه الحاجاتِ إلى مبادراتٍ عمليةٍ تدعمُ التنميةَ وتمنحُها بُعْدًا إنسانيًّا ومجتمعيًّا أعمقَ.

تنبعُ أهميةُ المجتمعِ المدنيِّ في التنميةِ المحليةِ من قربِه المباشرِ من الواقعِ اليوميِّ للمواطنينَ. فهو الأقدرُ على تشخيصِ المشكلاتِ الحقيقيةِ التي تُعاني منها المجتمعاتُ المحليةُ، سواءٌ تعلَّقَ الأمرُ بالفقرِ أو البطالةِ أو ضعفِ الخدماتِ أو التهميشِ الاجتماعيِّ. هذا القربُ يمنحُهُ القدرةَ على صياغةِ حلولٍ واقعيةٍ تتلاءمُ مع الخصوصياتِ الثقافيةِ والاقتصاديةِ لكلِّ منطقةٍ، بعيدًا عن الحلولِ الجاهزةِ التي قد لا تنجحُ عند تطبيقِها على أرضِ الواقعِ. ومن خلالِ هذا الدورِ، يُصبحُ المجتمعُ المدنيُّ حلقةَ وصلٍ بين المواطنِ وصانعِ القرارِ، ينقلُ المطالبَ بموضوعيةٍ ويُسهمُ في بناءِ سياساتٍ تنمويةٍ أكثرَ استجابةً وفعاليةً.

يُسهمُ المجتمعُ المدنيُّ في دعمِ التنميةِ المحليةِ من خلالِ تعزيزِ المشاركةِ المجتمعيةِ وترسيخِ ثقافةِ العملِ التطوعيِّ. فالمشاركةُ الواسعةُ للسكانِ في المبادراتِ المحليةِ تُوَلِّدُ لديهم شُعُورًا بالمسؤوليةِ والانتماءِ، وتدفعُهم للمحافظةِ على المنجزاتِ التنمويةِ والدفاعِ عنها. كما أنَّ العملَ التطوعيَّ يُخَفِّفُ من الأعباءِ الماليةِ على السلطاتِ المحليةِ، ويُوَفِّرُ طاقاتٍ بشريةً قادرةً على تنفيذِ مشاريعَ اجتماعيةٍ وتنمويةٍ ذاتِ أثرٍ ملموسٍ، خاصةً في المناطقِ التي تُعاني من محدوديةِ المواردِ.

ويلعبُ المجتمعُ المدنيُّ دَوْرًا مهمًّا في تمكينِ الفئاتِ الهشَّةِ، مثلَ النساءِ والشبابِ وذوي الإعاقةِ وسكانِ المناطقِ الريفيةِ. فمن خلالِ برامجَ التدريبِ والتأهيلِ والدعمِ النفسيِّ والاجتماعيِّ، تُسهمُ منظماتُ المجتمعِ المدنيِّ في تعزيزِ قدراتِ هذه الفئاتِ ودمجِها في الحياةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ. هذا التمكينُ لا ينعكسُ فقط على الأفرادِ المستفيدينَ، بل ينعكسُ على المجتمعِ كُلِّهِ، إذْ تتحوَّلُ الفئاتُ المهمَّشةُ إلى عناصرَ فاعلةٍ تُسهمُ في الإنتاجِ والتنميةِ وتُقَلِّلُ من حدَّةِ المشكلاتِ الاجتماعيةِ.

كما يضطلعُ المجتمعُ المدنيُّ بدورٍ رقابيٍّ لا يقلُّ أهميةً عن أدوارِه التنمويةِ الأخرى. فمتابعتُهُ لتنفيذِ المشاريعِ المحليةِ ورصدُهُ لأوجهِ القصورِ أو الفسادِ يُسهمانِ في تعزيزِ الشفافيةِ والمساءلةِ، ويُشَجِّعانِ على حسنِ استخدامِ المواردِ العامةِ. هذا الدورُ الرقابيُّ يخلقُ نَوْعًا من التوازنِ بين مختلفِ الفاعلينَ في الحقلِ التنمويِّ، ويُعَزِّزُ ثقةَ المواطنينَ في المؤسساتِ الرسميةِ عندما يشعرونَ بأنَّ هناك جهاتٍ مستقلةً تُراقبُ وتدافعُ عن مصالحِهم.

وفي مجالِ التنميةِ الاقتصاديةِ المحليةِ، يبرزُ دورُ المجتمعِ المدنيِّ في دعمِ المشاريعِ الصغيرةِ والمتوسطةِ وتشجيعِ ريادةِ الأعمالِ. فالكثيرُ من الجمعياتِ تعملُ على توفيرِ التمويلِ الصغيرِ والتدريبِ الإداريِّ والتقنيِّ، وتُسهمُ في خلقِ فرصِ عملٍ محليةٍ تحدُّ من البطالةِ والهجرةِ الداخليةِ والخارجيةِ. كما أنَّ هذه المبادراتِ تُساعدُ على استثمارِ المواردِ المحليةِ بشكلٍ أفضلَ، سواءٌ كانت مواردَ طبيعيةً أو بشريةً أو ثقافيةً، بما يُعَزِّزُ الاستدامةَ الاقتصاديةَ للمجتمعاتِ المحليةِ.

ولا يمكنُ إغفالُ الدورِ الثقافيِّ والتوعويِّ الذي يضطلعُ به المجتمعُ المدنيُّ في سياقِ التنميةِ المحليةِ. فمن خلالِ حملاتِ التوعيةِ والأنشطةِ الثقافيةِ والتربويةِ، يعملُ على نشرِ قيمِ المواطنةِ والتضامنِ واحترامِ القانونِ والحفاظِ على البيئةِ. هذه القيمُ تُشَكِّلُ الأساسَ الأخلاقيَّ لأيِّ عمليةٍ تنمويةٍ ناجحةٍ، إذْ لا يمكنُ تحقيقُ تنميةٍ حقيقيةٍ دون وعيٍ مجتمعيٍّ يُدركُ أهميةَ المشاركةِ والمسؤوليةِ المشتركةِ.

كما يُسهمُ المجتمعُ المدنيُّ في دعمِ التنميةِ المحليةِ من خلالِ بناءِ الشراكاتِ مع السلطاتِ المحليةِ والمؤسساتِ الوطنيةِ والدوليةِ. هذه الشراكاتُ تفتحُ آفَاقًا جديدةً لتبادلِ الخبراتِ والحصولِ على الدعمِ الفنيِّ والماليِّ، وتُساعدُ على تنفيذِ مشاريعَ تنمويةٍ أكثرَ شمولًا واستدامةً. وعندما تقومُ هذه الشراكاتُ على أُسُسٍ من الثقةِ والاحترامِ المتبادلِ، فإنَّها تخلقُ نماذجَ ناجحةً للتعاونِ تعودُ بالنفعِ على المجتمعِ بأسرهِ.

وبالرغمِ من هذه الأدوارِ المتعددةِ، فإنَّ فاعليةَ المجتمعِ المدنيِّ في دعمِ التنميةِ المحليةِ تظلُّ رهينةَ عدةِ عواملَ، من بينها توفُّرُ بيئةٍ قانونيةٍ داعمةٍ، ووجودُ كوادرَ مؤهلةٍ، وتوفُّرُ مصادرَ تمويلٍ مستقرةٍ، إضافةً إلى وعيِ المجتمعِ بأهميةِ العملِ المدنيِّ. فكلما كانت العلاقةُ بين المجتمعِ المدنيِّ والسلطاتِ المحليةِ قائمةً على التعاونِ والتكاملِ، كلما كانت نتائجُ التنميةِ أكثرَ إيجابيةً وأعمقَ أَثَرًا.

من هنا، يمكنُ القولُ إنَّ المجتمعَ المدنيَّ يُمَثِّلُ شريكًا أساسيًّا لا غنى عنه في مسارِ التنميةِ المحليةِ. فهو صوتُ المواطنِ، ومحرِّكُ المبادراتِ، وجسرُ الثقةِ بين المجتمعِ والدولةِ. ودعمُ هذا القطاعِ وتمكينُهُ من أداءِ أدوارِه المختلفةِ يُعَدُّ استثمارًا حقيقيًّا في مستقبلِ التنميةِ، لأنَّ التنميةَ التي تنطلقُ من المجتمعِ وبمشاركتِه هي الأقدرُ على الاستمرارِ وتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيةِ وتحسينِ جودةِ الحياةِ للمواطنينَ.

وفي سياقِ تعميقِ دورِ المجتمعِ المدنيِّ في دعمِ جهودِ التنميةِ المحليةِ، تبرزُ أهميةُ بناءِ القدراتِ المؤسسيةِ لمنظماتِ المجتمعِ المدنيِّ نفسِها، إذْ إنَّ فاعليةَ هذه المنظماتِ لا تُقاسُ فقط بحسنِ نواياها، بل بقدرتِها على التخطيطِ والتنفيذِ والتقييمِ والاستدامةِ. فكلما امتلكتْ هذه المنظماتُ مهاراتٍ إداريةً وماليةً وتنظيميةً متقدمةً، استطاعتْ أن تُديرَ مشاريعَ تنمويةً أكثرَ تأثيرًا وأن تحافظَ على ثقةِ المموِّلينَ والمستفيدينَ على حدٍّ سواءٍ. كما أنَّ الاستثمارَ في تدريبِ الكوادرِ العاملةِ في المجتمعِ المدنيِّ يُسهمُ في نقلِ العملِ الأهليِّ من مرحلةِ المبادراتِ المحدودةِ إلى مرحلةِ البرامجِ التنمويةِ طويلةِ الأمدِ.

وتلعبُ وسائلُ الإعلامِ المحليةِ دَوْرًا مكمِّلًا لجهودِ المجتمعِ المدنيِّ في التنميةِ، إذْ تُساعدُ على تسليطِ الضوءِ على المبادراتِ الناجحةِ ونشرِ قصصِ النجاحِ، مما يُشَجِّعُ مجتمعاتٍ أخرى على تبنِّي تجاربَ مماثلةٍ. كما أنَّ التغطيةَ الإعلاميةَ تُسهمُ في تعزيزِ ثقافةِ المساءلةِ، وتدفعُ المسؤولينَ المحليينَ إلى التفاعلِ الإيجابيِّ مع قضايا التنميةِ. وفي هذا الإطارِ، يُشَكِّلُ التعاونُ بين منظماتِ المجتمعِ المدنيِّ والإعلامِ المحليِّ أداةً فعالةً لتعزيزِ الوعيِ المجتمعيِّ وحشدِ الدعمِ الشعبيِّ للمشاريعِ التنمويةِ.

ومن الأبعادِ المهمةِ لدورِ المجتمعِ المدنيِّ في التنميةِ المحليةِ مساهمتُهُ في إدارةِ الأزماتِ والكوارثِ. ففي حالاتِ الكوارثِ الطبيعيةِ أو الأزماتِ الاقتصاديةِ والصحيةِ، غالبًا ما تكونُ منظماتُ المجتمعِ المدنيِّ في الصفوفِ الأولى للاستجابةِ، نظرًا لمرونتِها وسرعةِ تحرُّكِها وقربِها من السكانِ. هذا الدورُ لا يقتصرُ على تقديمِ المساعداتِ الطارئةِ، بل يمتدُّ إلى دعمِ التعافي وإعادةِ الإعمارِ وتعزيزِ قدرةِ المجتمعاتِ على الصمودِ في مواجهةِ الأزماتِ المستقبليةِ. ومن خلالِ هذا الدورِ، يُثبتُ المجتمعُ المدنيُّ أنَّه عنصرٌ أساسيٌّ في تحقيقِ التنميةِ المستدامةِ التي تأخذُ بعينِ الاعتبارِ البعدَ الوقائيَّ والاستباقيَّ.

كما يُساهمُ المجتمعُ المدنيُّ في تعزيزِ اللامركزيةِ ودعمِ الحكمِ المحليِّ، من خلالِ تشجيعِ المواطنينَ على الانخراطِ في الشأنِ العامِّ والمشاركةِ في صنعِ القرارِ المحليِّ. فتنظيمُ اللقاءاتِ التشاوريةِ وورشِ العملِ والحوارِ المجتمعيِّ يُساعدُ على تقريبِ وجهاتِ النظرِ بين مختلفِ الأطرافِ، ويُعَزِّزُ ثقافةَ الحوارِ والتوافقِ. هذه الممارساتُ الديمقراطيةُ على المستوى المحليِّ تُشَكِّلُ قاعدةً صلبةً لتنميةٍ متوازنةٍ تُراعي مصالحَ مختلفِ الفئاتِ وتحدُّ من الإقصاءِ والتهميشِ.

ويبرزُ كذلك دورُ المجتمعِ المدنيِّ في حمايةِ البيئةِ ودعمِ التنميةِ البيئيةِ المحليةِ. فالكثيرُ من الجمعياتِ تُنَفِّذُ مبادراتٍ تهدفُ إلى الحفاظِ على المواردِ الطبيعيةِ، ونشرِ الوعيِ بأهميةِ الاستدامةِ البيئيةِ، وتشجيعِ الممارساتِ الصديقةِ للبيئةِ في الزراعةِ والصناعةِ والاستهلاكِ. هذه الجهودُ تكتسبُ أهميةً خاصةً في ظلِّ التحدياتِ البيئيةِ المتزايدةِ، مثلَ التغيُّرِ المناخيِّ وشحِّ المياهِ والتلوُّثِ، التي تؤثِّرُ بشكلٍ مباشرٍ على فرصِ التنميةِ وجودةِ الحياةِ في المجتمعاتِ المحليةِ.

ولا يمكنُ إغفالُ التحدياتِ التي تواجهُ المجتمعَ المدنيَّ في أداءِ أدوارِه التنمويةِ، مثلَ ضعفِ التمويلِ أو البيروقراطيةِ أو محدوديةِ التنسيقِ بين المنظماتِ المختلفةِ. غير أنَّ مواجهةَ هذه التحدياتِ تتطلَّبُ رؤيةً مشتركةً تؤمنُ بأنَّ التنميةَ مسؤوليةٌ جماعيةٌ، وأنَّ نجاحَها مرهونٌ بتكاملِ الأدوارِ بين جميعِ الفاعلينَ. وعندما يحظى المجتمعُ المدنيُّ بالدعمِ والتقديرِ، ويُنظرُ إليه كشريكٍ حقيقيٍّ في التنميةِ، فإنَّه يُصبحُ قادرًا على إحداثِ تغييرٍ إيجابيٍّ ومستدامٍ.

وبذلك يتأكَّدُ أنَّ توسيعَ دورِ المجتمعِ المدنيِّ وتعزيزَ حضورِه في مسارِ التنميةِ المحليةِ ليس خيارًا ثانويًّا، بل ضرورةٌ تفرضُها متطلباتُ التنميةِ الحديثةِ. فالمجتمعُ المدنيُّ، بما يمتلكُهُ من مرونةٍ وقربٍ من الناسِ وقدرةٍ على الابتكارِ، يُشَكِّلُ رافعةً أساسيةً لتحقيقِ تنميةٍ شاملةٍ تعكسُ تطلُّعاتِ المواطنينَ وتستجيبُ لتحدياتِ الحاضرِ وآفاقِ المستقبلِ.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.