لم تعد الحرب بين موسكو وكييف مواجهة عسكرية تُقاس فقط بحركة الجبهات أو كثافة الضربات، بل تحوّلت تدريجيًا إلى صراع مركّب تُدار فيه السياسة والإعلام بالتوازي مع السلاح، ومع تعقّد المسارات وتشابك الحسابات، انتقل جزء من المعركة إلى ساحة أقل وضوحًا وأكثر حساسية، في كيفية قراءة واشنطن لما يجري، ومن يبدو ممسكًا بإيقاع التصعيد، ومن يظهر كعامل اضطراب داخل أي مسار تفاوضي محتمل.
في تقديري، لم تعد المسيّرات في هذا السياق مجرد أداة قتال، بل تحوّلت إلى عنصر سردي يُعاد توظيفه سياسيًا كوسيلة ضغط غير مباشرة، فهذا التحول بلغ ذروته مع تداول روايات عن استهداف محتمل لمقر إقامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي روايات يصعب فصلها عن توقيتها السياسي، تمامًا كما يصعب الجزم بوقائعها العسكرية.
وتكشف القراءة المتأنية لتسلسل الأحداث في أواخر ديسمبر 2025 أن هذا التداخل بين العسكري والسياسي لم يعد استثناءً عابرًا، بل بات جزءًا من إدارة الصراع. فلقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتسم بلهجة أقل توترًا من السابق، وخرج من دون رسائل تصعيدية علنية. غير أن هذا الانطباع لم يصمد طويلًا؛ إذ تزامنت مغادرة زيلينسكي مع اتصال من بوتين بترامب، نُقلت خلاله مزاعم عن هجوم مسيّرات استهدف مقر إقامة رئاسي داخل روسيا.
اللافت هنا، من وجهة نظري، ليس الادعاء بحد ذاته، بل طريقة نقله وتوقيت توظيفه، فموسكو لم تكتفِ بإطلاق رواية إعلامية، بل قالت إنها قدّمت للجانب الأميركي معطيات تقنية من إحدى المسيّرات التي جرى إسقاطها، شملت أجزاء من نظام الملاحة ومسار الطيران، باعتبارها دليلًا على نية الاستهداف. في المقابل، نفت كييف الرواية بشكل قاطع، فيما أشارت تقديرات استخباراتية غربية إلى غياب أدلة مستقلة تؤكد أن الهدف كان مقر الرئيس الروسي تحديدًا.
ومع ذلك، لم تتعامل المؤسسات الأميركية مع الرواية الروسية كحقيقة مسلَّم بها؛ إذ خلص تقييم لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن المسيّرات التي تحدّثت عنها موسكو لم تكن تستهدف مقرًّا يرتبط مباشرة بإقامة الرئيس الروسي، في استنتاج ناقض لما نقله بوتين شخصيًا إلى ترامب خلال الاتصال الهاتفي. هذا التباين بين رواية الزعيم وتقدير أجهزته لدى الطرف المقابل يكرّس فكرة أن ساحة التفاوض نفسها تحوّلت إلى ميدان تتصارع فيه أجهزة الاستخبارات والخطابات العلنية بقدر ما تتصارع الجيوش على الأرض.
بلا شك، كذلك فإن هذا التباين لا يضعنا أمام حقيقة واضحة بقدر ما يضعنا أمام صراع روايات، فاستهداف رئيس دولة، أو الادعاء بذلك، لا يُقرأ أمنيًا فقط، بل سياسيًا ورمزيًا، فالرئيس هو رأس الهرم السيادي، وأي اقتراب منه يُفهم باعتباره اقترابًا من الدولة نفسها، لا من شخصه فحسب.
من هنا، يتحول جسد الرئيس إلى أداة تفاوضية بامتياز، حيث أن روسيا تستفيد من طرح الرواية لأنها تضع الوسيط الأميركي أمام معادلة محرجة: فإما التعامل مع الادعاء بوصفه تهديدًا خطيرًا، أو التشكيك فيه وتحمل كلفة سياسية محتملة. في المقابل، تُدفع أوكرانيا إلى موقع دفاعي دبلوماسي، تُستنزف فيه بالنفي بدل التركيز على تثبيت سرديتها كشريك يسعى إلى تسوية.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل سؤال جوهري: هل يمكن لأي تسوية أن تستقر حين تصبح الرواية أهم من الحقيقة؟ فالمسيّرات هنا لم تعد مجرد أدوات عسكرية، بل تحوّلت إلى وحدات خطابية قابلة لإعادة التفسير، خصوصًا في ظل كثافة الهجمات الجوية والأرقام الضخمة التي تجعل أي ادعاء يبدو، ظاهريًا، قابلًا للتصديق.
فعلى مستوى الأرقام، باتت حرب المسيّرات نفسها جزءًا من المشهد المربك للروايات؛ فالتقديرات الغربية تشير إلى أن روسيا أطلقت في عام 2025 وحده أكثر من 54 ألف مسيّرة بعيدة المدى ونحو ألفي صاروخ على الأراضي الأوكرانية، في تصعيد غير مسبوق في وتيرة الضربات الجوية. في المقابل، تتحدث تقديرات مفتوحة المصدر عن مئات الضربات الأوكرانية العميقة داخل العمق الروسي، بعضها استهدف بنية تحتية طاقية وعسكرية، فيما يزعم الجانب الروسي أنه أسقط آلاف المسيّرات القادمة من أوكرانيا خلال العام نفسه، بما في ذلك 91 مسيّرة قال إنها وُجِّهت نحو مقر رئاسي في فالداي أواخر ديسمبر 2025.
في بيئة رقمية مشبعة بهذه الأعداد، يصبح أي ادعاء باستهداف مقر إقامة الرئيس أكثر قابلية للتصديق من حيث الانطباع الأولي، حتى في غياب أدلة مستقلة حاسمة على طبيعة الهدف أو نية من يقف خلف الهجوم، وعليه فإنه وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا تُدار الحرب بالسلاح وحده، بل بالصورة التي تصل إلى مكتب الرئيس الأميركي، وبالانطباع الذي يترسخ لديه عمّن يضبط إيقاع التصعيد وعمّن يهدد أي مسار تفاوضي.
وبلا شك، لا تكمن خصوصية هذه المرحلة في تطور الأسلحة بحد ذاته، بل في إدخال جسد الرئيس إلى قلب المعادلة السياسية. روسيا تستفيد من مجرد تداول الفكرة، وأوكرانيا تُستنزف بدفاع دبلوماسي متواصل، بينما يجد الوسيط الأميركي نفسه أمام روايات متنافسة يصعب الركون إلى أي منها بثقة كاملة. وحين يُعاد تعريف أمن الرئيس باعتباره بوابةً لتعريف أمن الدولة، ثم يُزاح هذا التعريف إلى طاولة التفاوض بوصفه ورقة ضغط، يصبح أي سلام ناشئ أسيرًا لرهائن رمزيين لا يتوقفون عند جسد زعيم واحد، بل ينسحبون على إدراك الشعوب كلّها لمفهوم الأمان ذاته.
والنتيجة أن أي اتفاق سلام يتشكل في ظل هذا النمط من التصعيد الرمزي سيظل اتفاقًا هشًا، لأنه يُدار بمنطق إدارة الانطباعات، لا بمنطق الحسم السياسي وبناء الثقة بين الأطراف.

