من أكثر الأكاذيب رواجاً في المشهد اليمني، وأكثرها كسلاً فكرياً، اختزال التجمّع اليمني للإصلاح في كونه «واجهة إخوانية». هذه ليست قراءة سياسية، بل بطاقة اتهام جاهزة تُرفع عند العجز عن الفهم أو عند الرغبة في التشويه. والحقيقة، لمن يريدها بلا مواربة، أن الإصلاح حزب يمني خالص، وُلد من رحم المجتمع اليمني، وتشكّل وفق تركيبته القبلية والدينية والسياسية، وخاض معاركه داخل اليمن لا خارجه، ودفع أثماناً بشرية وسياسية لا يدفعها تنظيم عابر للحدود.
الإصلاح لم يهبط على اليمن بمظلّة أيديولوجية مستوردة، ولم يُدار من عاصمة أخرى، ولم يكن يوماً غرفة عمليات لغير اليمن. نشأ في لحظة تاريخية يمنية خالصة، بعد الوحدة، في سياق تعددية سياسية فرضتها معادلات الداخل لا إملاءات الخارج. تكوينه لم يكن نسخة كربونية من أي تنظيم آخر، بل هو مزيج يمني صرف: علماء، قبائل، أكاديميون، تجّار، ضباط، ومقاتلون. هذا التنوّع بحد ذاته ينقض فكرة «التنظيم الواحد» ذي الانضباط العقائدي الصارم الذي يُسقِطه خصومه عليه.
ثم جاءت لحظة الاختبار الكبرى: انقلاب الحوثي. هنا سقطت الأقنعة، وظهرت الحقائق عارية. من قاوم؟ من نزل إلى المتارس؟ من دفع الدم لا البيانات؟ الإصلاح كان في الصفوف الأولى، لا في بيانات الشجب ولا في حسابات التوازنات الباردة. آلاف من كوادره قُتلوا، جُرحوا، أُسروا، شُرّدوا، صودرت بيوتهم، وفُجّرت مساجدهم، وامتلأت بهم المقابر والسجون. هذه ليست لغة شعارات، بل وقائع ميدانية يعرفها كل من اقترب من خطوط النار في مأرب والجوف وتعز والبيضاء ونهم وكل بقعة في جسد اليمن الجمهوري.
أقولها بوضوح، ومن موقع المعايشة لا التنظير: لأكثر من عشر سنوات، رافقتُ كوادر الإصلاح في الخنادق، في المتارس، في الليالي الطويلة تحت القصف، في لحظات الانكسار والنهوض. لم أرَ «تنظيماً دولياً»، بل رأيت يمنيين يدافعون عن بيوتهم، عن قراهم، عن فكرة الدولة في مواجهة مشروع كهنوتي سلالي لا يؤمن باليمن أصلاً. رأيت شباباً لم يسألوا عن الأيديولوجيا بقدر ما سألوا: هل نسقط اليوم أم نصمد؟ وهل تبقى الجمهورية أم تُدفن؟
من السهل جداً، ومن الرخيص سياسياً، إلصاق تهمة «الإخوان» بأي حزب ذي مرجعية إسلامية، وكأن الإسلام السياسي كتلة واحدة بلا سياق ولا تاريخ ولا جغرافيا. لكن هذا التبسيط المخلّ لا يصمد أمام الوقائع. الإصلاح لم يرفع يوماً شعار «الخلافة»، ولم يُقدّم نفسه بديلاً عن الدولة، ولم يُقاتل تحت راية عابرة للحدود. قاتل تحت راية الجمهورية اليمنية، ودافع عن الشرعية، وتحالف مع قوى مختلفة معه فكرياً وسياسياً، لأن المعركة كانت معركة بقاء وطن لا مسابقة أيديولوجيات.
الذين يتهمون الإصلاح بالإخوانية يتجاهلون عمداً حقيقة أساسية: لو كان حزباً تابعاً لتنظيم خارجي، لكان أكثر حرصاً على بقائه التنظيمي من انغماسه في حرب استنزاف دموية. التنظيمات العابرة للحدود تحافظ على كوادرها، لا تزجّ بهم في أتون حرب مفتوحة بلا ضمانات. ما حدث مع الإصلاح هو العكس تماماً: نزيف بشري هائل، تضحيات بلا حسابات ربح وخسارة تنظيمية، وانخراط كامل في معركة وطنية لم يتراجع فيها أي مقاتل من كوادره الوطنية. ثم لنسأل سؤالاً بسيطاً: من الذي استهدفه الحوثي أولاً وبشراسة؟ الإصلاح. من الذي صودرت ممتلكاته، واعتُقل علماؤه، وقُتل شيوخه، وهُجّرت قواعده الاجتماعية؟ الإصلاح. الحوثي لم يكن غبياً ليحارب «واجهة»، بل كان يعرف أن هذا الحزب، بامتداده الاجتماعي، يُشكّل عائقاً حقيقياً أمام مشروعه السلالي. لذلك كان الاستهداف وجودياً، لا سياسياً.
الإصلاح ليس حزباً ملائكياً لا أخطاء فيه، ولا يدّعي العصمة. له أخطاؤه، وتناقضاته، وإشكالاته، كأي حزب يعمل في بيئة معقّدة مثل اليمن. لكن تحميله وزر «الإخوانية» كهوية حصرية هو تزوير للتاريخ، وتضليل للواقع، ومحاولة للهروب من مواجهة الحقيقة: أن هذا الحزب كان، وما زال، جزءاً من معادلة المقاومة الوطنية ضد الانقلاب، ودفع من دمه وقياداته ما يكفي لنزع أي شك في وطنيته.
اليمن لا يحتاج مزيداً من التصنيفات الكسولة، ولا معارك وهمية بين «إخوان» و«غير إخوان». اليمن يحتاج قراءة شجاعة تعترف بمن قاتل ومن تفرّج، بمن ضحّى ومن تاجر، بمن صمد في المتارس ومن كتب التغريدات. والإصلاح، بكل ما له وما عليه، كان في المتارس، لا في الصفوف الخلفية. هذه حقيقة تُكتب بالدم، لا تُمحى بالاتهام، وأنا على ذلك من الشهود الميدانيين.

