: آخر تحديث

إسرائيل وإستراتيجية البستانى وقص العشب!

51
50
58
مواضيع ذات صلة

لو توجهنا بالسؤال المباشر إلى رئيس الوزراء في إسرائيل ووزير دفاعه ورئيس أركانه هل لديكم رؤيه وإستراتيجية واضحه للتعامل مع غزة وحماس؟ والإجابة هي العمل على عودة حماس لسنوات للوراء. وهى إجابه تعكس عدم الوضوح والرؤية. 

هدف إسرائيل الإستراتيجى تعميق حالة الإنقسام الفلسطينية لأنها لا تريد أن ترى دولة فلسطينية، وترى وهنا المفارقة ببقاء حماس قوية لدرجة حفظ ألأمن على الحدود الوسيلة لتحقيق هذا الهدف والذى تدرك أن لا أحد سيقبل برفض فكرة حل الدولتين. وكما قال ديفيد أغناطيوس في "واشنطن بوست"، إن إسرائيل ليس لديها إستراتيجية واضحة ومتماسكة تجاه الفلسطينيين وعلى الولايات المتحده أن تدفع بإتجاه إعادة ضبط العلاقة. وان إسرائيل وبحروبها الأربعة كل ما تقوم به مضاعفة معاناة الشعب الفلسطيني في غزة. ويقول دعونا نكون صادقين لو كانت إسرائيل تستطيع إخضاع حماس التي تطلق الصواريخ بشكل دائم لكانت قد نجحت منذ وقت طويل. ولكن هذه المشكله هي فشل حاضر ومنذ جيل. وحان الوقت أن تقوم الولايات المتحده بدور مختلف، وأيضا على الدول العربية مسؤولية أكبر من ذي قبل. 

هذا يحتاج منا إلى مقالة أخرى، لكن التساؤلات الآن: ما أهداف إستراتيجية قص العشب؟ وهل حققت أهدافها؟ وما البديل لها؟ 

أثبتت الحروب الأربعة فشل هذه السياسة بدليل قوة حماس ومعها قوى المقاومة الأخرى لزيادة قوتها. نظريًا نعم، تستطيع إسرائيل محو قطاع غزة بالكامل عن الخارطة، لكن هذا سيكون مقابل بقاء كل إسرائيل، ومن ناحية أخرى فشلت إستراتيجية إلقاء غزة في البحر كما قال إسحق رابين وتمنى أن يصحو من النوم ويرى غزة وقد ابتلعها البحر. هذا لم يحدث وتحولت غزة إلى أسطورة.

غزة تقع في قلب منطقة الأمن الأولى لإسرائيل المحاذية لما يعرف بغلاف غزة، وهو ما يعنى أن أي شكل من أشكال السلاح سيصلها، فما بالنا بالصواريخ أيًا كان مداها. فالمسافات الجغرافية ليست كبيرة، ولهذا أي تطور نوعي في قوة حماس يعنى - فى غياب أي إتفاقات للتهدئه طويلة المدى - ان خيار الحرب سيبقى قائمًا أو خيار البستانى الذى يقوم دوريًا بقص العشب وتهذيبه لينبت ثانية، فهي عملية دورية لا تمنع من نمو العشب ثانية، وإذا ما ترك قد يتحول لغابات تحجب الرؤية. 

هذه الإستراتيجيا لم تحقق أهدافها كاملة. نعم، تلحق المعاناة بأكثر من مليوني نسمة، لكنها في النهاية لم تمنع من تطوير حماس قدراتها العسكرية وتملكها بعض مظاهر السلاح الحديث. إسرائيل تخشى أن يكون بديل حماس من التيارات المتشددة وداعش وغيرها، ولحماس القدرة على ضبط الحدود وضبط هذه التنظيمات. وتدرك إسرائيل أن حماس تريد البقاء سياسيًا، والحفاظ على وجودها هدف لحركة الأخوان ودول عربية وإسلامية كقطر وتركيا. تحاول إسرائيل أن تستغل هذه الرغبة لتحقيق هدفها بفصل غزة عن محيطها الفلسطينى والحيلولة دون قيام دولة.

حماس من ناحيتها لا تقوى على الإعتراف بإسرائيل، وتدرك أنها لن تقوى على مواجهة قوة إسرائيل، وكل ما تسعى إليه هو التهدئة ورفع الحصار للحفاظ على وجودها. هنا نقطة الإلتقاء المشتركة التي يحسن كل منهما الوصول إليها، وكانت سببًا للحرب الأخيره تحت شعار "القدس". ولعل الهدف الرئيس هو رفع الحصار الكامل، وإذا تحقق تكون حماس قد حققت أهدافها بالبقاء والحفاظ على كينوتها السياسية.

الحرب الأخيرة أثبتت عدم جدوى هذه الإستراتيجيا وفشلها في تحقيق كل أهدافها، لكن لا يمكن أن ننكر تداعياتها السلبية فلسطينيًا بإستمرار الإنقسام وتحول غزة إلى بنية منفصله لحركة حماس، وكما لا حظنا في الحرب الأخيره أن هذه الإستراتيجيا طالت بنية حماس الإعلامية والإقتصادية وبشكل أقل العسكرية. الهدف هو إجبار حماس على تلبية شروط التهدئة والهدنة. 

اليوم، هذا البستانى الإسرائيلي يواجه - كما يقول اغناطيوس - رياحًا سامة، والحروب لا توفر لإسرائيل الأمن، بل تؤدي إلى تراجع واضح في التأييد خارجيًا، فلم تعد إسرائيل فوق النقد حتى في قلب الولايات المتحده، والنواب التقدميون الديموقراطيون طالبوا بوقف العدوان ومراجعة الدعم لإسرائيل. 

وزادت شعبية حركة حماس، بل رأينا أعلام حماس ترفع في عدد من المدن. فبدلا من قص العشب، رأينا كيف ان هذا العشب تطاول وأرتفع وتجذر. فمعادلات القوة تغيرت وبيئة القوة تبدلت وظهرت قوى في المنطقه تحتضن حماس وبقائها، كإيران وقطر وتركيا وجماعة الأخوان. والبديل هو محاولة تبنى إستراتيجيا ضبط العلاقات التي نرى بعض صورها بين إيران وتركيا وعدد من الدول العربية. وكما يقول اغناطيوس، لا تقل لى إن المستحيل لا يمكن حدوثه. 

وفى الوقت الذى أثنى فيه على إدارة ترامب بنجاحها بتوقيع إتفاقات سلام مع دول عربية لم يكن تصور قيامها، أخطأ في تهميش الفلسطينيين. يمكن تصور هذه الإستراتيجيا على مستوى العلاقات عربيًا، فلضبط العلاقات عدة مقاربات أهمها الضبط الإقتصادى وإعادة إعمار قطاع غزة في سياق فلسطيني شامل وتوسيع فرص العمل للشباب، وصورة الضبط الأمنى والعسكرى، تفاديًا لخسارة أرواح المدنييين من الفلسطينيين. فكيف يمكن تصورها فلسطينيا هنا؟

كما أشارت مستشارة المانيا، لا بد من إجراء مباحثات ومفاوضات غير مباشرة مع حماس، ورفع اسمها عن قائمة الإرهاب مقابل الإتزامها أسس التسوية السياسية. وهنا الخيارات أمام حركة حماس هي القبول في إطار فلسطيني بالعملية السلمية والإنخراط فيها بما يحقق أهداف الدولة الفلسطينية والقدس الشرقية عاصمة لها، وتحول حماس إلى فاعل فلسطيني في قلب الشرعية الفلسطينية.

هذا هو الحل. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.