: آخر تحديث

المتاجرة واستغلال أوجاع ضحايا النزاعات، اللاجئ أنموذجاً

6
4
5
مواضيع ذات صلة

ليس خافيا ان أعلى نسبة لاجئين في العالم هم من شرق أوسطنا المبتلي بساسة دكتاتوريين وأمراء حروب ومختلقي نزاعات نتج عنها هذا النزوح المدمر بحيث تحولت عدة أماكن وبقاع في أراضينا غير المأهولة وشبه الصحراوية الى ملاجئ عدة ، وليس سرّاً ان تكون تلك الملاجئ في المستقبل مستوطنات دائمة يعتادها اللاجئ سنة اثر أخرى لتكون موطنا وتوطينا مثلما كثرت في سوريا ولبنان والاردنواليمن والعراق وغيرها من الدول المبتلية بالتخلف الفكري والفوارق الطبقية والنزوع الطائفي نتيجة الاستهانة كبيرة بدولة المواطنة من خلال انتشار النرجسيات الدينية والتمايز العرقي والاثني بين ابناءالوطن الواحد ووصلت حالات الكراهية الى مستوى اهل الحي الواحد وهذا ما يريده ساسة التفريق والتمزيق لكي يزيدوا من بقائهم اعلىالسلطة ويتحكموا بالملأ العريض المغلوب على أمره .

تتراءى صورة اللاجئ أمامي كيانا مفزوعا قلقا كارها للحياة التي أوصلته الى هذا المكان الجديد الغريب عليه ؛ فيَصل الى مثواه الجديد وكأنه مقبرة الحياة لا الموت ويتمنى من كلّ قلبه لو مات واتخذ القبر الحقيقي مغارة أبدية له ويرى خياما منصوبة فيدخل إحداها التي خصصت له وسيقضي ليلته منزعجا جدا لكن سلطان النوم والإنهاك يرغمه على ان يغطّ في غيبوبة سرعان ما تتخللها يقظة بسبب كابوس مرعب فينتفض هلعا لكنه يعاود الكرة لينام مجددا مرغما على استعادة نشاطه البدني .

وهكذا يقضي ايامه ولياليه منزعجا متذمرا بشكلٍ لايطاق وشيئا فشيئا يخفت هذا الانزعاج والتذمر، وبعد ان تمر شهور عدة يتآلف مع المكان حتى تصبح تلك الخيمة سكنا ودودا وملاذا جميلا فيقع في حبّها ويعتاد عليها كما يعتاد الميت على قبره ويأنس اليه وهو صامت .

انقضت سنة وبدأ المعنيون من رعاة المجتمع المدني والمنظمات الانسانية الدولية بخليطهم البريء والمنتفع من ذوي النوايا الحسنة وغير الحسنة يقيمون مدرسة ابتدائية هنا ومركزا صحيا هناك لحاجة في نفس يعقوب وحاجة أخرى لملء الأرصدة والجيوب .

بدأت ملامح البهجة والسعادة ترتسم في وجهه وسيدخل اولادهليتعلموا القراءة والحساب، وتدريجيا ستمّحي فكرة حسن المآب الىمرتعه الاول وسينال شيئا يسيرا من الطبابة لتضمد أوجاعه الاولىتمهيدا لشفائها تماما ونسيان ما عانى طيلة فترة نزوحه وتركه بيته الاول ومحتده ومنبته وملاعب صباه وفتوته .

هنا ستتفتح قريحته ويطول لسانه مدحاً لا قذعاً ويكيل الشكر والثناء للساعين الى تحسين وضعه ويقف امام كاميرا الصحافة مزهوا مشيدا بالمساعي الحميدة التي وفرتها له هذه المنظمات من اجل استقراره في مقبرته الجديدة ويطيل لسانه اكثر ليطالب بمساكن بسيطة بدل الخيام التي أخذت تتهرأ وتتمزق بفعل الشمس الحارقة والرياح السموم صيفا، وبالإمطار والوحول والرياح الباردة في الشتاء .

ها هو بدأ يتكيّف مع وضعه الجديد الذي كان يزدريه وصار يرضيه، أليس الانسان اكثر مخلوقات الله تكيّفا في أشدّ الاحوال سواء قرّاً امصرّاً، بقعةً غنّاء ام صحراء  تراه يتنفس الصعداء مثلما يأنس الغبراء فيوسع صدره نسائم عذاباً ويشهق ويزفر ترابا .

انت ايها اللاجئ لو ارتضيت مثواك الجديد وعملت على تحسينه عمرانا بسيطا واتخذت من الصبر ضمادا مطببا لجراحاتك وبلسما لأحزانك وتعلّم أولادك ورفيقة عمرك بلهجةِ : هذا ما كتب الله لنا  وتوصي جارك على التمسك  بالصبر كأنك تبني شاهدة قبرك بيديك وتعمّق حفرة قبرك بفأسك وزنبيلك وتنذر بوفاتك القريبة جدا وانتتعيش الحياة .

لاتهزج ولاتهلل فرحا لو زارك السياسي حتى اذا كان من ابناء جلدتك ممن تظن انه من مناصريك والمدافعين عنك ، فهذه الزيارة ترويج له على إعادة تدوير انتخابه مجددا في الدورة الانتخابية اللاحقة لانكأصبحت سلعة في سوق السياسة ويزايدون عليك، فأنت الان قد صرت بضاعة رائجة وسُلّماً يرتقي على أوجاعك الباحثون عن المنصب والجاه والحظوة ويجعلون ظهرك مركبا سهلا للوصول الى غاياتهم .

وقد تتفاجأ بوصول من تعتقدهم انهم متضامنون معك ومع صحبك اللاجئين فاعلم ايها اللاجئ المحزون انهم يستغلون المناسبات الدينية والأعياد ليهبوا لك البخس من الأشياء غير النفيسة ليظهروا امامالشاشات انهم القدوة المحسنة وقد يبلعون الوفير منها في أحشائهم ويضعونها في أرصدتهم ولم تنل الا الفتات وفضلات المائدة  وبقايا الدراهم المعدودات من العملة النحاسية وربما الفضية في أسوأ الاحوال .

اما حصة الاسد من المال الوفير والاوراق الخضر فجيوبها ليست لكفانك منخرق الجيب ومهلهل الثياب ، وأوصيك ان لاتعبأ بهم إطلاقا لانهم سيجعلونك احد شعاراتهم الانتخابية وهدفهم التقرّب من السلطة والنفوذ من خلالك فأنت السلّم الذي يرتقي بالواهنين الى الأعالي وأحذيتهم دائما تعلو رأسك ورأس صحبك المساكين.

تذكر ايضا  ان كثيرا من الوفود الزائرة من غير مواطنيك سيفاجئونكبزيارتهم من منظمات أجنبية لا حصر لها بدءاً مما يسمون انفسهمرعاة حقوق الانسان ليظهروا نرجسياتهم باعتبارهم من المدافعين عنك وعن رهطك المكدود المرهق وسفراء النوايا الحسنة لإثبات حسن جهدهم ونواياهم الطيبة وكذا الصحافة العالمية لتتصيد السبق الصحفي وأطباء بلا حدود كي تتباكى على أسقامكم وباحثون على الشهرة ليظهروا أنهم سوبرمانات في التعاطف ومصورون يريدون انيلتقطوا صورا تذكارية قد تفوز إحدى لقطاتهم بجائزة دولية وينالوننصيبهم من آهاتكم ويملئون الصحافة والإعلام ضجيجا وتهريجا إدعاءً بأنهم النخبة الإنسانية المنتقاة التي تقطر نبلاً وتعاطفا.

إياك اياك ان تلتقط الصور المجانية مع الكاميراتيين النرجسيين بواسطة هواتفهم المحمولة وتُظهر أولادك الجائعين المرضى وهم في أسوأ حال بسبب سوءات الطقس والحياة البائسة سواء في الصيف او الشتاء ولا تُريهم طعامك المغطى بالتراب وخبزك المليء بالحصى ومياهك الداكنة من جراء الأطيان والمخالطة بالأوحال. 

صمَّ فمك عن الاستغاثة بذوي المروءة وأصحاب الشهامة والنخوة من أهليك العرب والمسلمين وابناء وطنك الامّ ، فقد صرت الان مادة دسمة للإثراء ووسيلة ناجحة لطلب الجاه والحظوة والمنصب وتحقيق السيادة والزعامة لغيرك، فإنك الان قد مهّدت الطريق لمتعطشي المال والشهرة ليستخدموك لا ليخدموك.

ولتعلم ان العودة الى المنبت والمحتد والمسكن الاول هو الحل الأمثل والأجدى والأنجع والأسلم، فالخيمة في مكانك هذا لابد ان تكون بائدة على مرّ الأيام، ولا ينفع رتقها وإصلاحها بخيوط واهنة من منتجات ومشاغل القومية والاثنية والطائفية، ولا ينجيك الا سقفك الأول فهو حماك ومرتعك الآمن ومربعك الحصين  .

ولا تنسَ ان رمضاء الوطن وهجير هوائه  ورياح السموم فيه أقلّ إيلاما مِن فيءِ الملجأ، وهذا هو الفرق بين الوطن المسكن والتوطين والتسكين.

[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي