: آخر تحديث

قوة الردع ومسؤولية السلام

5
5
3

لم تعد الحروب كما عرفها العالم من قبل، جيوشًا تتواجه على الحدود، أو معارك تحسمها موازين السلاح وحدها. فقد أصبحت الدول تواجه أخطارًا أكثر تعقيدًا، تتقدمها جماعات مسلحة تنازع الحكومات سلطتها، وتعبث باستقرار المجتمعات، وتسعى إلى فرض واقع سياسي بقوة السلاح، بعيدًا عن إرادة الشعوب ومؤسسات الدولة.

والمملكة، بما لها من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إسلامية، تنظر إلى أمنها الوطني من منظور استراتيجي يتجاوز التعامل مع التهديدات القائمة إلى الاستعداد لما قد تفرضه التحولات الدولية من تحديات مستقبلية. ومن هذا المنطلق، مضت في تطوير قدراتها الدفاعية وآلياتها الاستباقية، وتعزيز شراكاتها وتحالفاتها الدولية، إدراكًا منها أن أمن الدول لا تصونه القوة العسكرية وحدها، بل تسنده القدرة على استشراف المخاطر وبناء المصالح المشتركة.

ولعل ما تشكله المليشيات المسلحة من تهديد لأمن الدول واستقرارها يكشف جانبًا من تعقيدات الحروب المعاصرة، وتبرز مليشيا الحوثي الإرهابية مثالًا على ذلك، بعد أن تجاوزت اعتداءاتها الداخل اليمني إلى استهداف أمن دول الجوار وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. ولم تعد خطورة هذه المليشيا محصورة في نطاق الصراع اليمني، بل امتدت إلى مصالح دول العالم، وأمن سلاسل الإمداد وحركة التجارة والطاقة، وهو ما يفسر تصاعد القلق الدولي من ممارساتها وأهمية تصنيفها تنظيمًا إرهابيًا.

وفي هذا السياق، جاءت إشادة مجلس الوزراء بكفاءة منظومات الدفاع الجوي في إحباط المحاولات الحوثية المتكررة لاستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة ومدن المملكة ومنشآتها، لتؤكد ما بلغته القدرات الدفاعية السعودية من جاهزية وكفاءة، وما تمتلكه المملكة من قوة ردع تكفل حماية سيادتها وأمن الحرمين الشريفين وقاصديهما، وصون أمن المواطنين والمقيمين على أرضها.

ولا ينفصل عن هذا التوجه ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 27.3% بنهاية عام 2025، ووصول المحتوى المحلي إلى 40.9%، فالمملكة لا تكتفي بامتلاك السلاح، وإنما تعمل على توطين صناعته وتعزيز قدراتها الوطنية، بما يدعم استقلالها الدفاعي على المدى البعيد.

ومع ما تمتلكه المملكة من قوة ردع، فقد ظلت حريصة على تغليب الحلول السياسية ودعم الاستقرار الإقليمي، دون تفريط في أمنها أو سيادتها. وتضطلع المملكة، بحكم مكانتها القيادية في العالم الإسلامي وثقلها السياسي والدولي، بمسؤولية تتجاوز حماية مصالحها الوطنية إلى الإسهام في إرساء الأمن والاستقرار، وتجنيب المنطقة مزيدًا من الصراعات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد