يخلط بعض المحللين بين دولة تخوض حربًا وفق حسابات سياسية وعسكرية وقانونية معقدة، وتنظيم إرهابي لا تحكمه الالتزامات ولا الأخلاقيات ذاتها.. وقد فاتهم، بشكل يدعو للريبة، أن الدولة تتحمل مسؤولية قرار الحرب ونتائجه، وحتى الانتصار وتبعاته، بينما قد يكتفي التنظيم بتسويق مجرد بقائه باعتباره انتصارًا!
وتتعامل بعض التحليلات مع قدرة التنظيم على تنفيذ هجوم هنا أو هناك باعتبارها دليلًا على ضعف الدولة، لكن التجارب تكشف خلل هذه المقارنات؛ فالولايات المتحدة، بكل ما تملكه من قوة عسكرية واستخباراتية وتحالفات دولية، خاضت حربًا استمرت نحو ربع قرن ضد تنظيم القاعدة، وقتلت زعيمه ومعظم قياداته البارزة، ومع ذلك لم تتمكن من القضاء النهائي على التنظيم وفروعه.. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري واختراقاتها الاستخباراتية التي وصلت إلى قيادات حزب الله وأجهزته، لم تستطع إنهاء وجوده.
ويمكن للجيوش النظامية أن توجه ضربات هائلة إلى قدرات دولة أخرى ومراكز قيادتها خلال فترة قصيرة، كما شهدنا في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حين قُتل المرشد علي خامنئي وعلي لاريجاني وعدد من كبار قادة النظام، بينهم وزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد الحرس الثوري.. لكن مواجهة جيش نظامي يمتلك قواعد ومنشآت ومراكز قيادة معروفة تختلف جذريًا عن مطاردة تنظيم مسلح يستطيع الاختفاء وإعادة الانتشار والعمل وسط التجمعات المدنية؛ فالدولة قد تخسر جيشًا أو قاعدة أو مدينة أو قدرة استراتيجية، وتجد نفسها مضطرة إلى مراجعة حساباتها السياسية والعسكرية، بينما يستطيع التنظيم أن يخسر الأرض والقيادات والأسلحة، ويتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الأبرياء، ثم يعود إلى العمل بخلايا صغيرة ويعلن أنه مازال موجودًا.. بل إن بعض هذه التنظيمات لا تحتاج إلى الانتصار على خصومها بقدر حاجتها إلى منعهم من إعلان نهاية الحرب، وتحويل استمرار المواجهة إلى وسيلة للاستنزاف والدعاية والتجنيد.
وضبط النفس والحكمة لا يعنيان دائمًا العجز.. فللدولة حسابات لا تظهر في الصور والمقاطع الحماسية؛ فهي مسؤولة عن اقتصادها، وأمن سكانها، وعلاقاتها الدولية، وعن الاستقرار الذي سيأتي في اليوم التالي.. وقد تدرك طبيعة التهديد وتملك القدرة على الرد، لكنها تختار توقيت المواجهة وحجمها وفق تقدير أوسع للعواقب، بينما يستطيع التنظيم أن يستفزها إلى حرب طويلة ثم يحاول استثمار نتائجها سياسيًا وإعلاميًا.. والفرق أن الدولة مسؤولة عما سيحدث بعد الحرب، بينما قد يكون استمرار الحرب هو كل ما يريده التنظيم الإرهابي.. و»الأطراف» ذات العلاقة!

