نادراً ما تلعب الباصات دوراً في السياسة الخارجية، لكنَّها كانت وسيلة النقل العام التي استقلها أندي بيرنهام إلى «داونينغ ستريت».
فرئيس الوزراء البريطاني أعاد بناء صورته السياسية عمدةً لمانشستر، وارتبط اسمه بأتوبيسات النقل العام، والسكن، والخدمات المحلية، والسعي لنقل مزيد من السلطة والمال من لندن إلى الأقاليم.
هذا الأسبوع سافر، بالطائرة هذه المرة، إلى برلين للتشاور حول الأمن الأوروبي، والتهديدات الروسية، والهجمات السيبرانية، والتعاون الصناعي، والعسكري. رحلة طويلة بتذكرة باص بجنيهين، إلى ملفات الأمن الأوروبي.
فزيارة ألمانيا أول اختبار حقيقي له في السياسة الخارجية منذ تقلده رئاسة الحكومة. فالرجل الذي اعتاد، بصفته عمدةً لمانشستر، التعامل مع الخدمات المحلية، واجه في برلين واقعاً مختلفاً: تهديدات روسية، وهجمات إلكترونية، وأعمال تخريب وحرب سرية، في وقت لم يعد فيه الاعتماد على المظلة الأميركية أمراً مسلّماً به.
وبحث مع المستشار فريدريش ميرتس توسيع التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين، وإمكان مشاركة ألمانيا في مشروع المقاتلة المستقبلية الذي تتعاون فيه بريطانيا مع إيطاليا واليابان. وربما بدأ بيرنهام يدرك أن الانتقال إلى «داونينغ ستريت» يتجاوز إدارة الاقتصاد والخدمات إلى الأمن القومي.
وألمانيا مهمة لبيرنهام في رغبته نقل السلطة والمال إلى الأقاليم، فقد يقدم النظام الفيدرالي الألماني نموذجاً لدولة تتمتع مقاطعاتها بسلطات سياسية واقتصادية واسعة.
ولا يعني ذلك أن بريطانيا تستطيع استنساخ النموذج الألماني، لاختلاف أوضاع أمم المملكة الأربع: إنجلترا واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. لكن بيرنهام، الذي يتحدث بالفعل عن تغييرات دستورية، لا بد أنه وجد في برلين ما يستحق التأمل.
واجتمع بيرنهام وميرتس أيضاً مع رجال أعمال بريطانيين وألمان؛ لبحث الاستثمار والنمو خارج العاصمتين، وهو موضوع يكاد يكون مفصلاً على مقاس سياسة بيرنهام. لكن أخطر ملفات برلين سياسياً كان أوروبا.
فبعد أن قال في مؤتمر حزب «العمال» إن «بريكست» أضر ببريطانيا، انتقل في برلين خطوة أخرى نحو علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي. أما ميرتس فقال إن ألمانيا ستعمل على تقريب بريطانيا أكثر من أوروبا.
وهنا تتحول المسألة من الكلام عن «بريكست» إلى التعامل مع نتائجه. فكل كلمة يتقارب بها بيرنهام مع أوروبا تصبح حجراً في يد زعيم «ريفورم» الشعبوي نايجل فاراج يقذفه على نافذة «داونينغ ستريت». وجاءت انتخابات فرعية، الخميس، اختباراً مزدوجاً لبيرنهام.
فبينما كان في برلين، احتفظ حزب «العمال» في لندن بمقعد دائرة كير ستارمر السابقة. وفازت مرشحة الحزب، ساغال عبدي والي، وهي مسلمة من أصل صومالي، بنسبة 45.2 في المائة، مقابل 32.8 في المائة لزعيم حزب «الخضر»، زاك بولانسكي.
ولعل أهمية النتيجة أكبر من مجرد الاحتفاظ بمقعد عمالي. فالدائرة تضم عدداً من الجامعات والكليات، ونسبة كبيرة من الطلبة والشباب والناخبين المتعلمين. فهي، اجتماعياً وسياسياً، أقرب إلى خطابة وآيديولوجية حزب «الخضر»، خصوصاً مع مواقفه اليسارية وتأييده القوي للقضية الفلسطينية. بل إن كثيراً من ناخبيها، على الورق، أقرب إلى سياسات «الخضر» الحالية من حزب «العمال»، ومع ذلك اختاروا «العمال».
وربما لم يكن التصويت رفضاً لـ«الخضر» بقدر ما كان قراراً بإعطاء رئيس الوزراء الجديد فرصة. وهنا قد يظهر الفارق بين الاحتجاج والسلطة.
فالناخب قد يؤيد حزباً احتجاجياً في استطلاع للرأي أو انتخابات محلية، لكن تسليمه مقعداً برلمانياً، خصوصاً عندما يكون المرشح زعيم الحزب نفسه، قرار آخر.
ولا تكفي دائرة واحدة لإعلان عودة الناخب البريطاني إلى الوسط، أو تراجع الأحزاب الأكثر تطرفاً. لكن النتيجة تقول شيئاً يستحق المراقبة: في دائرة كان يفترض أن تكون مناسبة جداً لـ«الخضر»، فضّل الناخبون البقاء مع «العمال» وتجربة القيادة الجديدة.
وفي اليوم نفسه كان بيرنهام يخوض تجربته الجديدة خارج بريطانيا. في برلين كان يتعلم كيف يتحول من عمدة ناجح إلى رجل دولة.
وفي لندن كان الناخبون يقررون، مبدئياً على الأقل، أن يمنحوه الوقت ليتعلم.

