: آخر تحديث

حين يحدث الماضي مرتين..!

5
5
5

ثمة فرق بين أن نعثر على الماضي في كتب التاريخ، وأن نعثر عليه حيًّا في مصائر البشر يدوّنه راوٍ اقتفى أثر مؤرخ، فالتاريخ يحفظ للحدث زمنه ومكانه وأسماء صانعيه، بينما تعيد الرواية إليه خوفه وألمه وأحلامه الصغيرة.. التاريخ يسأل: ماذا حدث؟ أما الرواية فتذهب أعمق لتسأل: ماذا حدث للإنسان أثناء وقوعه؟ ولعل الماضي، بهذا المعنى، يحدث مرتين..!

وبين السؤالين تقوم المسافة التي يحتاجها الماضي كي يعود حيًّا، فالتاريخ، مهما اتسعت وثائقه، يظل مشغولًا بالأحداث الكبرى حيث الحروب، وسقوط المدن، وصعود الدول، وموت الملوك، وتحولات المجتمعات، أما الرواية فتدخل من الباب الذي غالبًا ما تتركه كتب التاريخ مواربًا.. باب الإنسان الصغير الذي عبرت فوق حياته تلك الأحداث دون أن نجد له اسمًا في الهامش...!

لهذا لا تعيد الرواية كتابة التاريخ بقدر ما تعيد إليه ما سقط منه.. فهي بطابعها الفني، ورؤيتها الجمالية لا تغيّر الواقعة حين تغيّر المسافة التي نقف عندها منها.. فالحرب في كتب التاريخ أرقام وجيوش وتواريخ، لكنها في الرواية أمّ تنتظر ابنًا، ونافذة ترتجف من القصف، ورجل يعود إلى بيته فلا يعرفه، وطفل يتعلم معنى الموت قبل أن يتعلم اسمه.. وهنا تنتقل المعرفة مما حدث إلى كيف حدث، فلا نعود نعرف الحدث فقط، بقدر ما نشعر بشيء منه في أرواحنا..

ولعل جمال الرواية التاريخية يكمن في قدرتها على منح الماضي احتمالاته الإنسانية، فالوثيقة تقول إن رجلًا مات في يوم محدد، أما الرواية فتستطيع أن تتخيل آخر ما رآه، وما خافه، وما تمنى لو أنه قاله قبل أن يموت.. التاريخ يثبّت الباب في مكانه، والفن يفتحه ليرينا الغرفة.. ومع ذلك لا ينبغي للرواية أن تزعم أنها الحقيقة، فالحقيقة التاريخية شيء، والحقيقة الفنية شيء آخر، الأولى تبحث عما وقع والثانية تبحث عن الرؤيا التي يمكن أن نستخلصها مما وقع.. ومن هنا يصبح الخيال -وهو في الرواية الأمين لروح الزمن- وسيلةً لفهمه أكثر من احتمالية كوْنه وسيلة لتزييفه.. فنحن نقرأ التاريخ لكي نعرف الذين سبقونا، لكننا نقرأ الرواية التاريخية لكي نقترب منهم.. نسمع أصواتهم، ندخل بيوتهم، نخاف مخاوفهم، ونكتشف أن القرون التي تفصلنا عنهم لم تستطع أن تغيّر ذلك الإنسان القديم المقيم فينا.. وربما لهذا تبقى بعض الروايات في الذاكرة أكثر مما تبقى بعض كتب التاريخ، لأن الذاكرة البشرية ظلّت تحفظ من الوقائع ما استطاعت أن تحوّله منها إلى إحساس.. فالتاريخ يخبرنا أن الماضي كان موجودًا، أما الرواية فتجعله يحدث مرة أخرى.!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد