في زمن القرية الصغيرة والهاتف الذكي، صار من السهل أن ننشغل بما يحدث في أقصى الأرض، وأن نخوض نقاشات لا تنتهي حول الاقتصاد العالمي، والسياسة الدولية، وتحديات المناخ، لكن وسط هذا الضجيج يغيب سؤال بسيط ومهم: ماذا عن دائرتنا الأقرب؟ أنفسنا، وأسرنا، وأحبائنا، وأماكن عملنا؟
علّمنا التاريخ أن الأمم لا تُبنى أمجادها في القمة، بل من كافة الشرائح، فكل مشروع وطني كبير يبدأ من فرد قرر أن يكون أكثر انضباطًا، وأكثر علمًا، وأكثر إخلاصًا في عمله، بينما يظن كثيرون أن أثرهم الفردي محدود، وأن ما يقومون به لا يغيّر شيئًا في الصورة الكبرى! بينما الواقع والتاريخ -أيضًا- يقول غير ذلك، فكل نهضة حضارية بدأت بتغيير السلوك قبل تغيير الأنظمة، وبناء الإنسان قبل تشييد الأبراج.
فاليابان مثلا، حينما خرجت مدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مشروعها النهضوي من المدراس، وليس من المصانع والورش، حيث تعلّم الطلاب احترام الوقت، والنظافة، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. وحتى اليوم، لا يزال الطلاب ينظفون فصولهم ومدارسهم بأيديهم، ليس لأن الدولة لا تستطيع توفير عمال نظافة، بل الهدف هو بناء مواطن يشعر بأن الفضاء العام امتداد له، ما حوّل هذه الثقافة اليومية البسيطة مع الزمن إلى أحد أسرار النهضة اليابانية.
الرائع أن بلادنا اليوم في رؤية المملكة 2030 تقدم نموذجًا فرديًا ملهمًا، إذ لم يكن الرهان على المشاريع العملاقة وحدها -رغم أهميتها-، بل الرهان الأكبر على الإنسان السعودي، لذلك رأينا برامج تنمية القدرات البشرية، والعمل التطوعي، وتحسين جودة الحياة، وتمكين الشباب، ودعم الثقافة والفنون والرياضة، التي تنطلق جميعها من فكرة، أنه إذا تطور الإنسان، فسيتطور كل ما حوله، ولم يكن مستغربًا أن يتجاوز عدد المتطوعين المستهدف قبل موعده بسنوات، وأن تتحوّل المبادرات المجتمعية إلى جزء من المشهد اليومي.
إن الانشغال بالنفس لا يعني الأنانية! بل يعني تحمل المسؤولية، فالإنسان الذي يقرأ باستمرار يرفع مستوى الحوار داخل أسرته، والذي يعتني بصحته يخفف العبء عن النظام الصحي، والذي يتقن عمله يرفع إنتاجية مؤسسته، وهي أنشطة تبدو فردية، لكنها مجموعها يصنع شخصية المجتمع.
ولعل التحدي في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيرًا منا أصبح يعيش خارج دائرة تأثيره، نحلّل سياسات الدول، ونراقب حياة الآخرين، بينما مشاريعنا الشخصية مؤجلة، ومهاراتنا لم تتطور، وأسرنا تنتظر منا وقتًا لا نجده!
لقد لخّص الفيلسوف الصيني "كونفوشيوس" هذه الفكرة قبل أكثر من ألفي عام حين قال: "إذا أردت أن تصلح العالم، فأصلح الدولة، وإذا أردت أن تصلح الدولة، فأصلح الأسرة، وإذا أردت أن تصلح الأسرة، فأصلح نفسك"، إنها سلسلة تبدأ من الداخل، ثم تتسع دوائرها حتى تبلغ المجتمع والوطن.
أجزم أن أفضل خدمة يمكن أن يقدمها الإنسان لوطنه ليست الانشغال بما يحدث في العالم، وإنما سؤال نفسه دومًا: ما الشيء الذي أستطيع تحسينه في نفسي أو محيطي القريب؟ فالأوطان العظيمة لا يصنعها أشخاص ينتظرون من الآخرين أن يبدأوا، بل من يبدأ بنفسه فيغيّر محيطه، ليجد أن الوطن يتغير معه.

