: آخر تحديث

بعد حين يبدل الحلم داراً..!

2
2
2

قبل ستة عشر عاماً، تحديداً في الحادي والعشرين من شهر مايو «2009»، كتبت هنا في صحيفة «الرياض» مقالاً بعنوان «أضغاث مدينة»، لم أكن يومها أكتب عن مدينة قائمة بقدر ما كنت أكتب عن مدينة محتملة، أو ربما تسكن أحلام شاعر، مدينة يحملها الأمل حين يغامر بالدخول إلى المستقبل دون دليل سوى الإيمان بأن الأحلام الكبيرة لا تولد عبثاً في صدور أصحابها، أتذكر أنني قلت في ذلك المقال حالماً: «هنا حيث يُنشأ مسرح كبير للاحتفالات والمظاهر الثقافية، وبمقاهٍ إلكترونية تتمدد عبر أرصفة الحي الأنيقة، تفوح منها رائحة القهوة والقصائد وحوارات الأجيال، أو هناك آخر الغد، فينشئون مسجداً كبيراً يتسع للجميع، وداراً للسينما، ومنابر للرواة، وقناة تلفزيونية للحي، وصحيفة للحياة، حي واحد، بلا إشارات حمراء، ولا أزقة مشبوهة، ولا كتابات على الجدران»، كنت أقول ذلك فيما كانت الضحكات الطيبة لبعض الأصدقاء تسبق التعليق، كانوا يرون أن الشاعر يذهب بعيداً كعادته، وأن المدينة أكثر انشغالاً من أن تصغي إلى أحلامه، وربما كانوا محقين وفق معطيات ذلك الزمن، لكنهم لم يكونوا يعلمون أن الأحلام الحقيقية لا تنتظر موافقة الواقع، لكنها تنتظر فقط من يمتلك الشجاعة الكافية لاستدعائها إلى الوجود، واليوم وأنا أتأمل التحولات الكبرى التي تعيشها الرياض، أشعر أنني أتجول في قصيدة خرجت من الورق ومشت على الأرض، فما كانت تلمحه المخيلة من بعيد أصبح جزءاً من المشهد اليومي.. مسارح تضج بالحياة، وفعاليات ثقافية تستضيف العالم، ومواسم تحولت إلى احتفال دائم بالإنسان وقدرته على الفرح، ومقاهٍ تقدم، إضافة إلى كل أنواع القهوة في العالم، القصائد والحكايات والأفكار والأسئلة. لقد جاءت مواسم الرياض لتؤكد أن جودة الحياة ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بقدر ما هي مشروعٌ لإعادة اكتشاف الإنسان نفسه، فالمدينة التي تمنح سكانها حق الفرح، وحق الفن، وحق اللقاء، وحق الحلم، حتمًا ستبني أرواح أهلها أيضاً، والأجمل أن هذه الروح لم تبقَ حبيسة العاصمة، ففكرة الشريك الأدبي التي امتدت إلى مناطق المملكة ومحافظاتها بدت وكأنها ترجمة عملية لحلم الثقافة وهي تغادر المركز إلى فضائها الوطني الرحب، صار لكل مدينة صوتها، ولكل محافظة نافذتها، ولكل موهبة فرصة لتجد مكانها في المشهد الكبير، وكأن المملكة كلها أصبحت منصة واسعة تروي حكايتها الجديدة بلغات متعددة، لكنها تنطلق من روح واحدة.. وحين أتأمل هذه التحولات، لا أراها مجرد مشروعات أو أرقام أو فعاليات، بقدر ما أراها انتصارًا لفكرة عميقة مفادها أن المستقبل يُصنع أولاً في الخيال، فكل منجز عظيم كان في بدايته حلماً، وكل واقع مدهش كان ذات يوم مجرد احتمال يراه القليلون، ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن تلك الأحلام وجدت من يراها أبعد وأوضح وأشمل مما رآها أصحابها أنفسهم، وهنا تتجلى فرادة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تعامل مع المستقبل بوصفه مسؤولية حاضرة يجب الشروع في بنائها الآن، لذلك لم تتحقق أحلام الشعراء وحدهم، حين تحققت أحلام وطن كامل كان ينتظر قائداً يملك الجرأة على مصافحة الغد قبل وصوله، لهذا أعود اليوم إلى أضغاث مدينة لا لأتباهى بنبوءة شاعر، وإنما لأتأمل قدرة الأوطان العظيمة على تحويل الأضغاث إلى حقائق، والخيال إلى مشهد، والحلم إلى أسلوب حياة، فما أروع أن يكتشف الإنسان، وهو في خريف العمر، أن بعض الأحلام التي كتبها ذات مساء لم تكن أضغاثاً أبداً، لكنها كانت ملامح وطنٍ قادم إلينا من المستقبل..!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد