: آخر تحديث

لا مصلحة لبنانية في ربط مسارات التفاوض

3
2
3

بأسرع مما كان متوقعاً، تحولت مسألة حصر السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة إلى القضيّة المركزيّة والسياسيّة الأولى في عهد الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون الذي انتُخب لمنصبه مطلع عام 2025، في أعقاب الحرب الإسرائيليّة على لبنان التي أضعفت «حزب الله» باستهداف قياداته؛ بدءاً بأمينه العام حسن نصر الله، وصولاً إلى قسم كبير من القيادات العسكريّة والأمنيّة الوسطى، بالإضافة إلى الكوادر التي أُصيب معظمها في عمليّة تفجير الأجهزة اللاسلكيّة و«البيجر».

في خطاب القسم الذي ألقاه أمام المجلس النيابي اللبناني عقب انتخابه، أكد الرئيس عون التزامه حصر قرار الحرب والسلم في يد الدولة، وأن تُجرى مناقشة استراتيجية أمن قومي تتم من خلالها حماية البلاد من الاعتداءات الخارجيّة، وذلك من خلال الاستثمار في القوى الأمنيّة اللبنانيّة والجيش اللبناني لمجابهة هذه التحديات والصعاب.

ويتقاطع هذا الموقف مع الموقف الذي يكرره رئيس الحكومة نواف سلام، الذي راكم خبرة سياسية وأكاديمية ودبلوماسية وقضائية في أرفع المناصب الدوليّة، وهو الذي يؤكد أن قرار حصر السلاح بيد الدولة بمنزلة تطبيق لاتفاق الطائف الذي أقرَّه البرلمانيون اللبنانيّون في المملكة العربية السعوديّة عام 1989 وأصبح جزءاً من الدستور اللبناني بدءاً من عام 1990، وهو ليس تلبيةً للمطالب الإسرائيليّة بنزع هذا السلاح.

المشكلة القائمة الآن هي مثلثة الأضلاع: من يفاوض لا يقاتل، ومن يقاتل لا يفاوض، وأمام هذا وذاك عدو شرس لا يتوانى عن خرق جميع الاتفاقات التي يوقِّعها ويواصل انتهاك السيادة اللبنانيّة واستهداف المدنيين الأبرياء بالإضافة إلى الصحافيين والطواقم الطبية والإسعافية والتمريضيّة من دون هوادة ومن دون أي اعتبار للقوانين والأعراف الدوليّة.

إلا أنه على الرغم من الضراوة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاته المستمرة على لبنان، ثمة قناعة آخذة في التشكل والاتساع لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن ما قام به «حزب الله» في حرب الإسناد الثانية التي أطلقها منذ أسابيع قليلة، جاءت ردّاً على اغتيال المرشد علي خامنئي، ويتساءل كثيرون منهم عن معنى ربط لبنان بمصير إيران التي لم ترد أساساً على اغتيال حسن نصر الله نفسه، ولم تدخل في الحرب إلا عندما تعرّضت هي نفسها للقصف الأميركي - الإسرائيلي.

وإذا كان هذا التساؤل مشروع بالشكل والمضمون، فإن التساؤل الذي يليه مباشرةً يتصل بمحاولة فهم الأسباب الحقيقيّة التي تقف خلف الحملة السياسيّة والإعلاميّة الشعواء التي تتناول رئيس الجمهورية؛ لقراره سلوك درب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بهدف وضع حد للحرب والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون عنوانها الأساسي طي المرحلة التي يدفع فيها لبنان أثمانَ صراعات الآخرين، ويذهب نحو حقبة جديدة من الاستقرار.

ويبالغ البعض ممن يعارضون في العمق خيار التفاوض في إطلاق نعوت وتُهَم ضد الرئيس اللبناني على الرغم من أن إيران نفسها تسلك طريق التفاوض مع الولايات المتحدة التي دكَّتها -بالتعاون والتحالف مع إسرائيل- في قصف غير مسبوق واغتالت قياداتها الأساسيّة، ولم يَحُل كل ذلك دون الجلوس على طاولة التفاوض في محاولة الوصول إلى حل مستدام.

ليس ثمة مصلحة لبنانيّة بربط مسارات التفاوض بين لبنان وإيران، حتى ولو سجَّلت طهران بعض المواقف الإعلاميّة التي قد تفيد جمهور «حزب الله» وبيئته بأنها تسعى لوقف إطلاق النار في لبنان. لقد خبر لبنان على مدى عقود فكرة ربط المسارات عندما كان خاضعاً للوصاية السوريّة التي لم تتوانَ عن استخدام الورقة اللبنانيّة لمصلحة مفاوضاتها ولم تكترث حقاً للملف اللبناني عندما تقدمت مفاوضاتها مع إسرائيل فيما يخص الجولان.

لبنان لا يستطيع أن يحتمل مزيداً من الأثقال، أو مزيداً من الحروب المفتعَلة التي تقدِّم في كل مرة الذرائع لإسرائيل للانقضاض عليه وتدميره والانتقام من تجربته الغنيّة في التعدديّة والديمقراطيّة (مهما كانت هشّة) والتنوع. لبنان هو نقيض إسرائيل التي تقدّم نفسها على أنها الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط، وأنها تحترم الأديان كافة وتتيح لأبنائها ممارستها بحرية تامة، وهو الأمر الذي تناقضه تماماً الأحداث الحاصلة في كنائس القدس وبيت لحم وفي المسجد الأقصى والضفة الغربية، وفي استهداف المساجد والكنائس والمزارات في جنوب لبنان.

أخيراً، إذا كان التفاوض هو الخيار الأفضل للبنان، فلعلّه أيضاً من المفيد لبعض الأصوات التي تهرول نحو التطبيع والترويج لاتفاق سلام مع إسرائيل أن تتريث بعض الشيء وتهدئ من روعها، وألا تشيح النظر عن الاعتداءات التي يتعرّض لها لبنان يومياً، وأن تسعى لاستيلاد المبررات تلو المبررات لإسرائيل وصولاً إلى حد تبرئتها!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد